Beirut weather 11.88 ° C
تاريخ النشر March 25, 2026
A A A
الأوروبيون لا ينصاعون لترامب: «إيران» تعمّق شروخ «الأطلسي»
الكاتب: سعيد محمد

كتب سعيد محمد في الأخبار

تشهد العلاقات عبر الأطلسي توتراً غير مسبوق منذ عقود، وذلك على وقع العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، والذي يستمرّ لأسبوع رابع. ففي الوقت الذي تضع فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب ثقلها العسكري خلف العملية العسكرية الموسّعة ضدّ إيران، لا تزال غالبية العواصم الأوروبية متمسّكة بسياسة الحذر، رافضة الانجرار إلى ما تصفها بـ«حرب لم تخطّط لها ولم تطلبها». ويكشف هذا التباين عن صدوع عميقة داخل «حلف شمال الأطلسي»، وهو يثير تساؤلات حول قدرة التحالف على الصمود في وجه اختبار حقيقي لوحدته.

ولا تخفي واشنطن استياءها من الموقف الأوروبي هذا؛ ففي سلسلة تصريحات لافتة، وصف ترامب الحلفاء الأوروبيين بأنهم «جبناء»، محذّراً من أن مستقبل الحلف سيكون مُهدَّداً إذا لم تتحرك الدول الأوروبية لتأمين مضيق هرمز، الممرّ المائي الحيوي الذي تمرّ عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز العالمية. وكتب ترامب على منصّته «تروث سوشال»: «من دون الولايات المتحدة، الناتو ليس سوى نمر من ورق. إنهم لم يرغبوا في الانضمام إلى المعركة لوقف إيران المسلّحة نووياً. والآن بعد أن حُسمت المعركة عسكرياً وبأقلّ خطر عليهم، يتذمّرون من ارتفاع أسعار النفط ولا يريدون المساعدة في فتح مضيق هرمز».

 

وانعكس هذا التباين في حديث الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، إلى شبكة «سي بي إس» الأميركية، والذي حاول فيه التوفيق بين ضرورة دعم الحليف الأميركي من جهة، وفهم موقف الدول الأوروبية المتردّدة من جهة أخرى. وقال روته: «ما أعرفه هو أننا نجتمع دائماً معاً». وأضاف أن الدول الأوروبية احتاجت إلى بعض الوقت لتحديد موقفها، وهو ما أرجعه جزئياً إلى أنها استُبعدت من التخطيط الأولي للعملية العسكرية. وقال روته: «كانت الولايات المتحدة تخطّط لعملية «الغضب الملحمي›» لأسابيع، ولأسباب أمنية لم تتمكن من إطلاع الحلفاء الأوروبيين على ما يجري. إنني أفهم إحباط الرئيس ترامب، لكنني في المقابل أطلب تفهّماً لأن هذه الدول احتاجت إلى وقت لتستعدّ لحالة لم تكن على علم بتفاصيلها». وفي تساوق مع المزاعم الأميركية، ادّعى روته أن الهدف من التحرّك ضدّ إيران هو «جعل العالم كلّه أكثر أمناً»، مشبّهاً إياه بما حدث مع كوريا الشمالية، محذّراً من أن التفاوض الطويل مع طهران قد يؤدّي إلى حصولها على السلاح النووي كما حدث مع بيونغ يانغ.

 

في المقابل، جاءت المواقف الأوروبية أكثر حذراً؛ ففي برلين، قال وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس: «هذه ليست حربنا، نحن لم نبدأها»، فيما كرّر المستشار فريدريش ميرتس الموقف ذاته، مشدّداً على أن «حلف الناتو» تأسّس كتحالف دفاعي، وأن التدخل في إيران لا يدخل ضمن ولايته. كما رفضت الحكومة الألمانية المشاركة في أيّ عملية عسكرية في مضيق هرمز، مكتفيةً بدعم دبلوماسي محدود للدعوات إلى تأمين المضيق.

 

أضافت حادثة استهداف قاعدة «دييغو غارسيا» مزيداً من التعقيد على التوقّعات من «الناتو»

 

 

أمّا في لندن، فكان موقف رئيس الوزراء، كير ستارمر، الأعلى سقفاً من بين مواقف مختلف الجهات المعنيّة. فبينما أبدى استعداده لدراسة طلبات الولايات المتحدة، وسمح لاحقاً للجيش الأميركي باستخدام قواعد سلاح الجو الملكي في بريطانيا وفي أعالي البحار لاستهداف مصادر التهديد للملاحة في الخليج، استمرّ في ترداد لازمة أن بريطانيا «لن تُجر إلى حرب أوسع»، مشترطاً أن يكون أيّ عمل عسكري تشارك فيه المملكة المتحدة مستنداً إلى أساس قانوني واضح. واستفزّ هذا الموقف الدوائر المحافظة في واشنطن، والتي وصف بعض رموزها ردّ الفعل البريطاني بأنه «جبان وضعيف»، معتبرين أن ستارمر ليس «ونستون تشرشل» كما كان يأمل الأميركيون.

وفي باريس، اتّخذ الرئيس إيمانويل ماكرون موقفاً أكثر حدّة؛ إذ وصف الغارات الأميركية على إيران بأنها «خارجة عن القانون الدولي»، مؤكداً أن فرنسا ليست طرفاً في هذه الحرب ولن تشارك في العمليات البحرية في مضيق هرمز. كما رفضت إسبانيا بشكل قاطع السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية المشتركة لشنّ ضربات ضدّ إيران، واصفة الحرب بأنها «غير قانونية».

وكانت الثقة الأوروبية بإدارة ترامب اهتزّت في وقت مبكر من ولايته الثانية – بعد استبعاده الحلفاء من المباحثات للتوصّل إلى تسوية للصراع في أوكرانيا، ثم فرضه تعرفات جمركية اعتباطية على الصادرات الأوروبيّة إلى الولايات المتحدة -، قبل أن تَضيع بشكل شبه كلّي مع تهديدات الرئيس الأميركي بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند. ويدرك ترامب جيداً أن الأوروبيين يخشون من انهيار «الناتو» الذي مثّل مظلّة حماية لأمنهم منذ عقود، وهو يستغلّ هذه الحساسية لتحصيل أكبر قدر من المكاسب.

 

على أن استمرار هذا الخلاف يحمل مخاطر حقيقية على الأمن الأوروبي، في الوقت الذي يعكس فيه اختلافاً في الأولويات. فبينما تركّز الولايات المتحدة، مدفوعةً من حليفها الإسرائيلي، على المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، يرى الأوروبيون أن أولويتهم الأمنية الأولى تبقى أوكرانيا، خصوصاً مع استمرار المخاوف من استغلال روسيا لانشغال الغرب بالشرق الأوسط لتحقيق اختراق عسكري في الشرق الأوروبي، ناهيك عن أن الحرب على إيران لا تحظى بشعبية كبيرة لدى الرأي العام الأوروبي نظراً إلى انعكاساتها على التضخّم وأسعار المعيشة.

 

على صعيد متصل، أضافت حادثة استهداف قاعدة «دييغو غارسيا» العسكرية في المحيط الهندي مزيداً من التعقيد على التوقّعات من «الناتو». فبينما اتهمت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية إيران بإطلاق صاروخَيْن باليستيَّيْن في اتجاه القاعدة التي تضمّ قوات أميركية وبريطانية، قال روته إن الحلف «لا يستطيع تأكيد» هذه المعلومات في الوقت الحالي، وإن التحقيق ما زال جارياً. وكان الوزير في الحكومة البريطانية، ستيف ريد، ادّعى أن تقييم لندن يشير إلى أن طهران استهدفت القاعدة، إلا أن روته فضّل عدم التسرّع في التصريحات، مكتفياً بالقول إن «ثبوت صحة ذلك سيكون دليلاً إضافياً على أهمية ما يقوم به الرئيس ترامب من تفكيك القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية». وعلى أيّ حال، أثارت هذه الحادثة مخاوف أوروبية من اتساع رقعة الحرب، خصوصاً مع تلميحات إسرائيلية متعاقبة إلى أن صواريخ إيران باتت قادرة على الوصول إلى عواصم القارة القديمة.

 

ومع اقتراب موعد قمة «الناتو» المُقرَّرة في أنقرة في تموز/ يوليو المقبل، تزداد التساؤلات حول ما إذا كان التحالف قادراً على تجاوز هذه الأزمة المفصلية. ويتوقّع مراقبون أن تكون القمة التي تستضيفها تركيا، العضو الذي يتمتع بعلاقات متوترة مع بعض الشركاء الأوروبيين حول العديد من القضايا ولا سيما بشأن وحدة قبرص، مسرحاً لمواجهات دبلوماسية حادّة إذا استمرت الانقسامات الحالية. أمّا العودة إلى أرضية مشتركة بين الجانبَين الأميركي والأوروبي فستكون صعبة في المدى المنظور، في ظلّ غياب التوافق حول ما يمثّله «الناتو» بالضبط في ظلّ تعمّق انعزالية الولايات المتحدة. ومن شأن ذلك أن يفرض على الأوروبيين واقعاً جديداً، حيث سيجدون أنفسهم أمام خيار صعب بين تحمّل مسؤولية أمنهم بأنفسهم – وهو ما يحتاج إلى سنوات من الإنفاق العسكري الهائل -، أو القبول بدور ثانوي تابع ضمن تحالف تتباعد فيه الرؤى.

وفي خضمّ ذلك، تحاول بعض الدول الأوروبية إيجاد صيغ وسط، مبادِرةً إلى المشاركة في تحالفات بحرية متعدّدة الجنسيات لا تخضع مباشرة لقيادة «الناتو»، أو الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية موازية. لكنّ هذا المسار يحمل في طياته مخاطر إضعاف التحالف التقليدي، ودفع واشنطن إلى الاعتماد بشكل أكبر على شركاء دون آخرين في القارّة.