Beirut weather 11.88 ° C
تاريخ النشر March 25, 2026
A A A
طرد السفير الإيراني ماذا يقول القانون؟…
الكاتب: حسناء سعادة

 

كتبت حسناء سعادة

 

في بلد يقوم توازنه الدقيق على أعراف أكثر مما يقوم على نصوص، لا يمكن التعامل مع أي قرار دبلوماسي كبير باعتباره خطوة عابرة، لذا فان قرار سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني في لبنان اجراء يتجاوز القرار الإداري إلى اختبار فعلي لحدود السلطة داخل الدولة.

 

بحسب ما اكدت مصادر قانونية ودبلوماسية فإن اعتماد السفراء في لبنان ليس إجراء شكلياً، بل هو من صلب صلاحيات رئيس الجمهورية، وبالتالي، فإن سحب هذه الموافقة لا يمكن أن يتم بقرار منفرد من وزير الخارجية، وإلا دخلنا في إشكالية دستورية واضحة.

 

وتضيف هذه المصادر انه في العرف الدبلوماسي، هناك تدرّج واضح في التعامل مع أي إشكال مع سفير أجنبي، حيث يبدأ الأمر باستدعائه، ثم توجيه تنبيه أو احتجاج رسمي، وصولاً في الحالات القصوى الى اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، غير ان هذه الخطوة الأخيرة، التي تُعد من أخطر الإجراءات، تمرّ عادة عبر أعلى سلطة في الدولة وليس عبر وزارة الخارجية.

 

اللافت في قرار طرد السفير الايراني ليس فقط مضمون القرار، بل الطريقة المتسرعة التي طُرح بها من دون غطاء سياسي جامع، ما عكس انقساماً سياسياً تحولت الدبلوماسية معه إلى ساحة تجاذب داخلي بدل أن تكون أداة إدارة علاقات خارجية.

 

في القانون، ان الجهة التي تمنح أوراق اعتماد السفير هي نفسها التي تملك حق سحبها، أي رئيس الجمهورية حصراً، أما وزير الخارجية، فدوره يقتصر على إدارة العلاقة اليومية، بما في ذلك استدعاء السفير أو توجيه ملاحظات له في حال خالف الأعراف.

 

انطلاقاً مما تقدم يبرز احتمالان، فاما ان يكون القرار قد اتُّخذ بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، وفي هذه الحالة يصبح الإشكال سياسياً لا قانونياً، أو أن الوزير تصرّف منفرداً، ما يضعه في موقع المخالفة الدستورية، ويتيح لرئيس الجمهورية طلب التراجع عن القرار.

 

في تاريخ لبنان السياسي، لم تكن معالجة الأزمات الدبلوماسية دائماً عبر قرارات صادمة، فما جرى مع الرئيس الراحل سليمان فرنجيه، حين أراد عملياً إبعاد السفير الأميركي احتجاجاً على ما ادلى به عام ١٩٧٣، اختار مقاربة مختلفة تقوم على اللياقة وفهم القوانين اذ لم يطلب ذلك من وزير خارجيته بل استدعى السفير وتوجه له بالقول يبدو انك مريض وتحتاج الى أخذ إجازة بسبب “وضعك الصحي”.

 

أجاب السفير: لا فخامة الرئيس، صحتي منيحة.

 

قاطعه الرئيس فرنجيه وقال له: “لأ، مريض ولازم ترتاح، بعدها وقف وغادر المكتب منهياً الإجتماع”.

 

وهكذا حدث، إستأذن السفير من أجل إجازة مرضية وبعد أسبوع استبدلته الولايات المتحدة بسفيرٍ آخر بقي صامتاً حتى انتهاء عهد الرئيس فرنجيه.

 

هذه الرواية تعكس فهماً عميقاً للدبلوماسية بحيث يمكن تحقيق الهدف نفسه من دون كسر الأبواب أو إحراج الدولة لان السياسة ليست فقط قرارات، بل أيضاً أساليب.

 

ردود الفعل الداخلية، ولا سيما موقف حزب الله الذي اعتبر القرار تعدياً على صلاحيات رئيس الجمهورية، تعكس خطورة ما جرى، فالقضية لم تعد مرتبطة بسفير أو دولة، بل باتت تمسّ جوهر التوازن بين المؤسسات.

 

الدعوة إلى تراجع وزير الخارجية عن قراره، والحديث عن اتصالات جارية لإيجاد مخرج، يشيران إلى أن الأزمة لم تُحسم بعد، وأن الباب لا يزال مفتوحاً أمام تسوية تحفظ ماء الوجه للجميع لاسيما بعد طلب الرئيس نبيه بري والمفتي الشيخ أحمد قبلان من السفير عدم المغادرة.

 

ليست هذه الحادثة تفصيلاً دبلوماسياً، اذ يجب ان يعلم المواطن ما اذا كانت تُدار المؤسسات وفق الأصول، أم وفق ردود الفعل؟ وهل تُحترم الصلاحيات، أم تُستخدم كأدوات في الصراع السياسي؟.