Beirut weather 14.65 ° C
تاريخ النشر March 20, 2026
A A A
دولة الرئيس… غير مقبول حرف الأنظار
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

 

في كلمة موجهة للبنانيين تحدث رئيس الحكومة نواف سلام، موجهاً للمقاومة اتهاماً واضحاً بأخذ لبنان إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، شارحاً وجهة نظره ونظر الحكومة باعتبارها مرجعاً مسؤولاً يقرأ المتغيرات ويسعى لحشد الطاقات عربياً وعالمياً لوقف الحرب، طارحاً في التداول نظرية رفض أن يكون لبنان نصف دولة ونصف ساحة، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة، ونريد أن نناقش ما قاله رئيس الحكومة انطلاقاً من معادلة وردت في كلمته تقول بعدم قبول حرف الأنظار، وحق طرح الأسئلة وتلقي الأجوبة عليها، خصوصاً السؤال المشروع كيف وصلنا إلى هنا وكيف نخرج من هنا، وحيث احترام اللبنانيين يبدأ بالصدق معهم.

 

قبل الدخول في الوضع اللبناني، نريد لفت انتباه رئيس الحكومة إلى أن نظرياته عن نصف دولة ونصف ساحة وامتلاك قرار الحرب والسلم، تنتمي إلى الخيال لا إلى الواقع، في عالم تتحكم فيه أميركا بأكبر مقدرات لخوض الحرب، وتقرّر كما قال رئيسها دونالد ترامب الذي ترتجي منه الخير للبنان، أنها لا تعترف بالقانون الدولي ولا بحدود الدول، وقد قال على مسامعكم مبعوثه الرئاسي توماس برّاك أن حدود سايكس بيكو والقصد حدود لبنان ليست مقدّسة، لأن أمن “إسرائيل” هو الذي يقرّر، وأن القرار 1701 ليس صالحاً ويجب على لبنان الدخول في مفاوضات مع “إسرائيل” لرؤية إلى أين يمكن الوصول، وكرر مراراً أن لا ضمانة بانسحاب “إسرائيل” من النقاط التي تحتلها، لتصبح كل دول العالم متى حانت ساعتها نصف دولة ونصف ساحة، وتفقد قرار الحرب والسلم، ومن لا يصدق فلينظر إلى حال دول الخليج، الأقوى والأهم من لبنان وأوثق علاقة منه بأميركا ومرجعه للضغط عليها، وسواء قمت باعتبار أميركا و”إسرائيل” أو إيران السبب في ما يجري فالحصيلة واحدة وهي أن دول الخليج في قلب حرب لا تريدها، ولذلك يجب طرح الأسئلة الصحيحة وتقديم الأجوبة المناسبة، وجوهرها بالحصيلة هل نجحت مساعي تحييد الخليج من حرب فرضتها عليها الجغرافيا وجلبها التغوّل الأميركي والتماهي الأميركي مع “إسرائيل” من جهة ما نراه، والموقف الإيراني من جهة ما تراه، لكن في الحالتين هل نفع نزع الذرائع بتفادي هذا الوضع، نصف دولة ونصف ساحة، وهل قرار الحرب والسلم بيد الحكومات، أم بيد الآخرين؟

 

عندما يُكثر رئيس الحكومة الحديث عن المتغيرات الإقليمية ويدعو لقراءتها فهل لنا أن نطلب منه أن يحدّثنا مرة عن ماهية هذه المتغيرات، وما فهمناه منه أن المقصود ألوهية القوة الأميركية والإسرائيلية واستحالة مواجهتها، ولكن يا حبذا لو يشرح لنا إلى أين يوصلنا هذا التسليم بالمتغيرات الإقليمية التي لا بد من قراءتها كما يقول، فهل سمع بنيامين نتنياهو يتحدّث عن إسرائيل الكبرى، وتوماس برّاك يتحدث عن سقوط سايكس بيكو، ومايك هغابي سفير أميركا لدى “إسرائيل” يقول إنه يتمنى توسّع “إسرائيل” على حساب لبنان وسورية والأردن والسعودية ومصر والعراق، وهل رأى “إسرائيل” تقصف الدوحة، وتقصف المقر الرئاسي في سورية، ورئيس سورية الجديد يشارك رئيس الحكومة النظرية نفسها، لكنه لم يصل إلى ضمان أمن سورية من “إسرائيل”، وهو الأقرب من رئيس الحكومة إلى أميركا، وهو ورمز المتغيرات الإقليمية التي يتحدث عنها رئيس الحكومة، وهو يفاوض على أعلى مستوى وزاري من عشرة شهور، وصاحب مدرسة التأقلم إلى حد الاكتفاء بطلب الانسحاب الإسرائيلي من ما احتلته بعد سقوط النظام السابق من دون الجولان السوري المحتل. والسؤال هو، هل وصل إلى تحييد سورية عن الاستهداف الإسرائيلي، رغم استعداده لتجاهل أرضه المحتلة والاكتفاء بالجديد منها فقط؟ وهل يريد رئيس الحكومة من اللبنانيين فعل المثل والتخلي عن الأرض بداعي المتغيرات؟ هذا مع العلم أن ليس في سورية مقاومة ولا سلاح مقاومة ولا مغامرات؟

 

السؤال الأساسي كما قال رئيس الحكومة هو لماذا وصلنا إلى هنا وكيف نخرج من هنا، والجواب بسيط وهو لأن على حدودنا كيان عقائديّ لا يرى غير من هم من صنفه بشراً يستحقون الحياة، ويرى أن الأرض المحيطة به هي حق له ما دام قادراً على احتلالها، ويحوز دعم أقوى قوة في العالم بظل رئيس يقرأ بعنصرية مشابهة صورة العالم ويؤمن بالقوة لا بالقانون، ولعل ما نقوله ليس إلا تكراراً لما تعلق به الجامعة العربية على مشهد غزة، وإذا كان هذا صحيحاً، وهو صحيح، ونظرية نزع الذرائع تصبح بلا قيمة ولا تستحق النقاش، وهل أكثر وضوحاً على فشلها من تجربة ما بعد وقف إطلاق النار عندما تشاركت الدولة والمقاومة قبل خلافهما في جلسة 5 آب بتعامل عنوانه تنفيذ دقيق لما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار من موجبات، وحشد الدعم الدولي والعربي لإلزام “إسرائيل” بالالتزام، وكانت النتيجة توسّع الاحتلال وتصعيد العدوان، ووصول أميركا إلى المجاهرة بالانقلاب على الاتفاق، والدعوة للقبول بما تطلبه “إسرائيل”، وهذه هي النتيجة الحتمية لنظرية المتغيرات الإقليمية التي يتحدث عنها رئيس الحكومة لكنه يخفي عن اللبنانيين ذلك، يخفي عنهم أن التسليم بالمتغيرات لا ينتهي إلا بالتنازل عن الأرض والسيادة، تحت شعار الواقعية، وإذا كان الأمر خلاف ذلك فليشرح رئيس الحكومة خطة الحكومة لاستعادة الأرض ووقف العدوان بغير الحديث عن حشد الطاقات العربية والدولية لوقف الحرب، لأن العرب لو كان لديهم قوة لوقف حرب لأوقفوا الحرب التي صارت بلادهم ساحة لها، والعالم كله لو استطاع وقف حرب أميركا لأوقفها وهي تشد على خناقه الاقتصادي حتى الموت، وأميركا ماضية في حروبها ودعم حروب “إسرائيل”، حتى الحصول على ما قاله ترامب، الاستسلام غير المشروط، فهل هذه خريطة الطريق التي تدعونا إليها يا دولة الرئيس؟

 

السؤال لماذا وصلنا إلى هنا؟ الجواب لأن لدينا حكومة تمارس علينا حرف الأنظار عن الحقائق، وهو ما حذّرت منه في كلمتك، ولا تعبر عن احترامها للبنانيين من خلال قول الصدق لهم، كما حذرت في كلمتك، الجواب ببساطة لأن الحكومة فشلت في الصمود عند حقوق لبنان في التعامل مع التغوّل الإسرائيلي برفض تنفيذ وقف النار ورفضت دعوات قائد الجيش لتمكين الجيش من التصدّي للتوغل الإسرائيلي مرة، وتعليق تنفيذ موجبات لبنان في الاتفاق حتى يعود إليه الاحتلال مرة أخرى، واختارت الحكومة السير وراء توماس برّاك بداعي الواقعية، وقراءة المتغيرات، وهي تعلم أن النهاية الطبيعية هي التسليم بتنازلات عن السيادة، أين منها تلك التي نص عليها اتفاق 17 أيار الذي لم يكن دعاته بعيدين عن المدرسة ذاتها التي يتحدث عنها رئيس الحكومة.

 

أما عن المقاومة يا دولة الرئيس، وسلاح المقاومة ومصيره، فإن القانون الدولي الذي يعلو على القوانين الوطنية، وقد ربط حقوق الدولة وقيامها بواجب الحماية، وحصرية السلاح أحد هذه الحقوق، ربط حق الشعب بالمقاومة المسلحة بتخاذل أو تخلي الدولة عن واجب الحماية والدفاع، تاركاً للحكومات التي تعجز عن ضمان حل مشرّف يحفظ السيادة لشعوبها بأن تعيد الأمر إليه، وأي حكومة يمكن أن تجرّد مقاومتها من السلاح في ظل الاحتلال والعدوان وهي عاجزة عن المواجهة، وعن الوفاء بما نص عليه بيانها الوزاري حول ذلك ولا تتذكر إلا حقها بحصر السلاح وتتجاهل أنه مشروط بواجب الحماية، وهل أقرب لصناعة الفتنة من توصيف المقاومة بالقوة الخارجة عن القانون وغير الشرعية في زمن الاحتلال والعدوان؟

 

ختاماً سؤال، أليس من الأفضل الآن بدل لغة التحدي، العودة للحوار طلباً لتفاهم يقوم على انتظار نتائج هذه الحرب، فإن أثبتت المقاومة أنها قادرة على إعادة الاحتلال إلى موجبات اتفاق وقف إطلاق النار ليس مطلوباً إلا الاعتذار منها وإلغاء كل القرارات التي استهدفتها، والاستثمار على إنجازها لحفظ الوطن وسيادته، وإن فشلت بإمكانكم تلاوة مزاميركم عن الواقعية والمتغيرات وتذكيرنا عندها بصواب قراءتكم.