Beirut weather 21.32 ° C
تاريخ النشر March 19, 2026
A A A
العدوان الاسرائيلي من دون سقف.. لبنان يشهد حربا أهلية افتراضية!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

تزداد المخاوف على لبنان مع إستمرار العدوان الاسرائيلي المفتوح عليه والذي يبدو من دون سقف، في ظل ضغوط سياسية وعسكرية تترافق مع انقسامات داخلية بلغت مداها، في مشهد يعيد إلى الأذهان محطات تاريخية خطرة عاشها البلد عندما تحوّلت الصراعات الخارجية إلى حروب داخلية هددت الكيان نفسه.

 

في خضم هذا الواقع، برزت مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون كمحاولة لفتح نافذة سياسية لوقف العدوان الإسرائيلي، انطلاقاً من موقعه الدستوري ومسؤوليته الوطنية في حماية الاستقرار ومنع الانزلاق نحو المجهول.

 

 

 

 

 

وقد قامت المبادرة الرئاسية على مسار متدرّج يبدأ بالهدنة ووقف الاعتداءات، تمهيداً لفتح باب التفاوض المباشر، في مقاربة هدفت إلى تثبيت الاستقرار أولاً قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية أو أمنية لاحقة.

 

سارعت إسرائيل إلى رفض هذه المبادرة بشكل فوري، في مؤشر واضح إلى عدم استعدادها لتقديم أي تنازل للبنان، رغم سلسلة الخطوات التي اتخذتها الدولة اللبنانية خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية.

 

 

 

لم يعد خافيا أن لبنان قام بواجباته كاملة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 حيث التزم باتفاق وقف إطلاق النار والتزم به حزب الله أيضا فلم يُسجل إطلاق رصاصة واحدة باتجاه العدو، وأقرّت حكومة نواف سلام حصرية السلاح بيد الدولة، وتعاطت بإيجابية مطلقة مع ورقة المبعوث الأميركي توم باراك قبل أن تسقطها إسرائيل عملياً. كذلك أقرت الحكومة نشر الجيش اللبناني قواته في جنوب الليطاني والذي نفذه وحاز على إشادات أميركية ودولية، وصولاً إلى تعيين السفير سيمون كرم ممثلاً مدنياً في لجنة “الميكانيزم”، في محاولة لإظهار جدية الدولة في الالتزام بالمسار الدبلوماسي.

 

غير أن هذه الخطوات لم تقابل بأي إجراء إسرائيلي مماثل، بل ترافقت مع استمرار الاحتلال للنقاط الخمس التي توسعت والاعتداءات والتصعيد العسكري ضاربة إتفاق وقف اطلاق النار بعرض الحائط.

 

 

 

اليوم، تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية قائمة على رفع مستوى الضغط العسكري والسياسي بالتوازي، بهدف دفع لبنان نحو خيارات قسرية تحت وطأة الحديد والنار، فالشروط المطروحة تتجاوز وقف العمليات العسكرية لتصل إلى مطالب سياسية وأمنية كبرى، من بينها الاعتراف بإسرائيل، ونزع سلاح حزب الله، وإعادة ترتيب الانتشار العسكري، وصولاً إلى اتفاقات مباشرة معها.

 

 

 

وتثير هذه المقاربة مخاوف متزايدة داخل لبنان من محاولة جرّ الجيش اللبناني إلى مواجهة داخلية مع حزب الله، وهو سيناريو يعتبره كثيرون الأخطر على الإطلاق، لما يحمله من احتمالات تفجير الساحة الداخلية واستنزاف المؤسسة العسكرية، بما يهدد وحدة الدولة والسلم الأهلي معاً.

 

وقد عززت تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين، التي حمّلت الجيش مسؤولية التصدي للحزب ونزع سلاحه قبل أي مفاوضات، هذه المخاوف، إذ يرى معارضو هذا الطرح أنه يضع لبنان أمام معادلة مستحيلة: صراع داخلي مقابل وقف الحرب، خصوصا أن المبعوث الأميركي توم باراك سبق وأكّد ذلك عندما قال: “إن أميركا لا تريد تسليح الجيش لمواجهة إسرائيل بل من أجل قتال حزب الله”.

 

ويستحضر هذا المشهد هواجس تاريخية مرتبطة باتفاق 17 أيار عام 1983، الذي بقي في الذاكرة اللبنانية مثالاً على التسويات المفروضة تحت الضغط العسكري، وما قد تخلّفه من انقسامات عميقة وتداعيات طويلة الأمد، حيث يعتبر البعض أن المطروح اليوم قد يكون أسوأ من ذلك الاتفاق الذي تمت مواجهته بانتفاضة السادس من شباط 1983.

 

 

 

بالتوازي، تتكثف الطروحات الدولية، ولا سيما الفرنسية، تحت عنوان وقف الحرب وتجنيب لبنان مزيداً من الدمار، إلا أن جزءاً من اللبنانيين ينظر إليها بريبة، خشية أن تتحول إلى مسار ضاغط إضافي يفرض وقائع سياسية داخلية قبل تثبيت وقف الاعتداءات الإسرائيلية.

 

 

 

في الداخل، يبلغ الانقسام السياسي ذروته. فبين من يرى في الضغوط الدولية فرصة سانحة لإنهاء حزب الله، ومن يعتبرها مشروع فتنة يهدد الاستقرار الوطني، تتسع فجوة الخطاب السياسي إلى حد باتت معه البلاد تعيش ما يشبه حرباً أهلية افتراضية عبر المنابر الإعلامية ومواقع التواصل، حيث تجاوزت السجالات الخطوط الحمراء من مختلف الأطراف.

 

 

 

أمام هذا المشهد، يبدو السؤال الأساسي: هل يستطيع لبنان تجاوز الفتنة؟ الإجابة لا تتوقف فقط على موازين القوى الإقليمية أو مسار الحرب، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على منع تحويل الخلاف السياسي إلى صراع داخلي. فالتجارب السابقة أثبتت أن أخطر ما يواجه لبنان ليس العدوان الخارجي وحده، بل انهيار التوازن الداخلي الذي يشكّل خط الدفاع الأخير عن الدولة.

 

 

 

تشير مصادر سياسية مواكبة إلى أن “حماية السلم الأهلي اليوم تصبح أولوية تتقدم على كل الحسابات الأخرى، لأن أي انفجار داخلي لن يمنح لبنان قوة تفاوضية، بل سيحوّله إلى ساحة مفتوحة أمام التدخلات والضغوط”. وبين نار الحرب الخارجية وخطر الانقسام الداخلي والحرب الأهلية، يبقى الرهان على وعي اللبنانيين ومؤسساتهم في تفادي الانزلاق نحو السيناريو الأسوأ.