Beirut weather 21.32 ° C
تاريخ النشر March 19, 2026
A A A
الجامعات الخاصة تتكيّف… والفجوة تتعمّق بين الطلاب
الكاتب: فاتن الحاج - الأخبار

تحت وطأة العدوان الإسرائيلي، لم يعد الواقع الجامعي موحّداً، بل انقسم إلى مسارات متعددة تعكس تفاوت التأثّر بالأحداث. فهناك جامعات تتابع عملها شبه الطبيعي، وأخرى تعتمد التعليم المُدمج، وثالثة اضطرت إلى اللجوء إلى التعليم عن بعد غير المتزامن (أوفلاين) كحل مؤقّت.

 

تشمل الفئة الأولى الجامعات التي لم تتأثّر مباشرة، وتمكّنت من متابعة عامها الدراسي بشكل شبه طبيعي، مع حضور طالبيّ كثيف داخل الحرم، من بينها جامعة سيدة اللويزة، حيث تستمر الدروس حضورياً لمعظم الطلاب، فيما لا تتجاوز نسبة المتابعين «أونلاين» 4%، لأسباب تتعلق بالسفر أو الإقامة في مناطق غير آمنة. وينسحب هذا النموذج أيضاً على جامعة الروح القدس – الكسليك التي تحافظ على التعليم الحضوري، مع توفير بدائل رقمية محدودة للطلاب غير القادرين على الحضور، في ظل انتظام إداري وأكاديمي شبه كامل.

 

وتضمّ الفئة الثانية جامعات تأثّرت جزئياً نتيجة توزّع طلابها بين مناطق آمنة وأخرى خطرة، ما دفعها إلى اعتماد التعليم المُدمج، ومنها الجامعة اليسوعية التي تعتمد بشكل أساسي التعليم عن بعد، مع بعض الأنشطة الحضورية للكليات التطبيقية، ومنح الكليات هامشاً لتقدير أوضاع الطلاب، خصوصاً النازحين أو المقيمين في مناطق غير آمنة، فيما يواصل الموظفون الإداريون عملهم حضورياً.

 

كذلك، تعتمد الجامعة اللبنانية الأميركية نموذجاً مرناً يجمع بين التعليم الحضوري و«أونلاين»، مع تسجيل المحاضرات للطلاب غير القادرين على المشاركة، وتقديم دعم عبر باقات الإنترنت، ومرونة في دوام الموظفين، ما أتاح لها استئناف الدراسة سريعاً مع التكيّف المستمر مع التطورات الأمنية.

 

أما في الجامعة الأميركية، فقد فرضت تداعيات العدوان التحول الكامل إلى التعليم عن بعد، بعد أسبوع واحد من بداية الحرب، ما انعكس تبايناً في آليات التقييم. فبينما أجري جزء من الامتحانات إلكترونيا، تم تأجيل امتحانات أخرى، واستعيض عن بعض الاختبارات والأعمال المخبرية بمشاريع منزلية (assignments) تنجز وتُقيّم عبر الإنترنت.

 

في المقابل، بقيت بعض الأنشطة المخبرية التي لا يمكن تنفيذها عن بعد مؤجلة إلى حين توافر الظروف المناسبة. ويؤكد طلاب أن الأساتذة أبدوا قدرا ملحوظاً من المرونة والتفهم، لا سيما حيال من يواجهون صعوبات بسبب النزوح، أو ضعف خدمات الإنترنت، أو الاكتظاظ المنزلي، وترك هامش لكل أستاذ للتفاهم مع طلابه حول الصيغة الأنسب لمتابعة التعليم.

 

وتتّبع الجامعة اللبنانية الدولية مقاربة ديناميكية تقوم على تقييم الوضع أسبوعياً، لتحديد آلية التعليم للأسبوع التالي، استناداً إلى تطورات الميدان وقرارات وزارة التربية، مع إمكانية العودة الجزئية إلى الحضور بعد عطلة عيد الفطر، ولا سيما للأعمال المخبرية، إذا سمحت الظروف بذلك.

 

في المقابل، تضم الفئة الثالثة الجامعات الواقعة في مناطق الاستهداف المباشر، حيث تصبح خيارات التعليم أكثر تعقيداً، ولا سيما مع وجود عدد كبير من الطلاب في مراكز إيواء أو في بيئات تفتقر إلى الإنترنت والتجهيزات الأساسية. وفي هذا الإطار، أعلنت جامعة المعارف اعتماد التعليم عن بعد غير المتزامن ابتداءً من 23 الجاري، مع تخصيص حصة تفاعلية أسبوعية «أونلاين» لكل مُقرّر، وتأجيل المختبرات العملية، والتوجّه إلى إجراء الامتحانات حضورياً عند توفّر الظروف، حفاظاً على النزاهة الأكاديمية.

 

كما تستعدّ جامعة العلوم والآداب اللبنانية (USAL)، التابعة لجمعية المبرّات، لاستئناف الدراسة بعد العيد، بعدما أظهر استبيان أن نحو 80% من طلابها متأثّرون بالحرب. وستبدأ بالتعليم غير المتزامن، مع تجميد المواد التطبيقية إلى حين تأمين عودة آمنة، واعتماد الامتحانات الحضورية لاحقاً.

 

هذا التباين بين الجامعات لا يعكس فقط اختلاف مواقعها، بل يكشف أيضاً فجوة متزايدة بين الطلاب أنفسهم، بين من يستطيع متابعة تعليمه رقمياً، ومن يفتقر إلى أبسط مقوّمات ذلك. وفي المحصّلة، لم يعد السؤال ما إذا كانت الجامعات ستستمر، بل كيف ستفعل ذلك، وبأي كلفة تعليمية وإنسانية، في ظل واقع يُعاد فيه رسم خريطة التعليم العالي وتحديد أولوياته.