Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر March 18, 2026
A A A
دريان : الرهان على الفتنة خاسر لأننا سنتصدى لها

وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة بمناسبة عيد الفطر المبارك، جاء فيها:

 

“الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا.

 

الله أكبر ، ما صام صائم لله وأفطر .

 

الله أكبر ما قرأ قارئ كتاب ربه فتدبر وتفكر .

 

الله أكبر ، ما كبره المكبرون ، وحمده الحامدون ، وأثنى عليه الشاكرون .

 

الله أكبر عز جاهه ، وعم إحسانه ، وعنت الوجوه لعظمته ، وخضعت الخلائق لقدرته .

 

والحمد لله الذي وفق العاملين لطاعته ، فوجدوا أعمالهم وسعيهم مشكورا ، وحقق آمال الآملين برحمته ، فمنحهم عطاء موفورا ، سبحانه، هو الواحد الذي من قصد غيره ضل ، هو العزيز الذي من اعتز بغيره ذل ، سبحانه ، ﴿إنه كان حليما غفورا﴾.

 

أحمده تعالى على نعمه الجسام ، وأشكره أن من علينا بإدراك الصيام والقيام .

 

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، المتفرد بالكمال والتمام، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، العزيز الذي لا يضام ، والجبار الذي لا يرام ، له العظمة والجلال ، والعز والكبرياء . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، بعثه رحمة للعالمين ، وقدوة للسالكين ، وحجة على الخلائق أجمعين ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وسلم تسليما كثيرا .

 

أما بعد :

 

شهر رمضان المبارك هو أقضل شهور العام عندنا نحن المسلمين فلقد قال فيه القرآن الكريم : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ وتتابع الآية : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، ونحن صمناه ونصومه بالفعل ، ونتحرى فيه الود والتضامن بين الناس ، وأن نصل بالمعروف إلى القريب والبعيد ، وأن نكفل البائس والفقير ، وصاحب الحاجة والعجزة ، والطفولة المظلومة .

 

ومع نهاية شهر رمضان المبارك ، وبداية أيام الفطر ، تغمرنا الفرحة والسعادة والاعتزاز بفريضة الصوم التي أدينا ، امتثالا للأمر الإلهي في قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ ، ونحن نعرف الأجر الكبير والثواب الجزيل ، لمن صام رمضان ، وقام لياليه ، كما أننا نعرف بالتجربة ، أن شهر رمضان وأخلاقه وما فيه من العبادات ، تصبح ميزانا ومقياسا للإنسان الصالح على مدى العام كله ، في الانضباط والأخلاقيات ، وفي حفظ اليد واللسان ، وفي التفكير والتدبير للجميع ، وفي الإحساس بمسؤوليات الإيمان ، وأعباء التكليف بالعبادة والعمل الصالح ، مهما كانت الصعوبات والمشقات .

 

لقد جمع الله ورسوله فضائل شهر رمضان ، في عدة آيات وأحاديث ، فقال عز وجل : ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾ . وقال تعالى : ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ . وبحسب سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، فإن بدء إنزال القرآن الكريم ، كان في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك ، وفي العشر الأواخر ليلة القدر التي يحرص المسلمون بالتهجد والقيام على شهودها . وإلى نزول القرآن في العشر الأواخر من رمضان ، وهذه الواقعة هي رأس فضائل الشهر الكريم . ولقد جاء الحديث القدسي مؤكدا على أن أجر الصائم في شهر رمضان، لا حدود له ، فهو لله الذي يجزي به، : (كل عمل ابن آدم له ، إلا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به). وفي ذلك ما فيه من فضيلة تقديم العبادة بالصوم والصلاة في رمضان ، على غيرها من الشهور والأوقات.

 

فالله سبحانه وتعالى اختص رمضان بقبول الطاعات والصدقات فيه. وقد كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعادات المسلمين وإجماعهم ، أداء فريضة الزكاة في شهر رمضان . وهذا أمر يجعل من الشهر الكريم ، مناطا لأكثر من عبادة أو فريضة ، وعلى رأسها الصوم والزكاة ، فضلا عن الحرص على أداء العبادات الأخرى فيه وزيادتها ، حسبما هو معروف بالنسبة للصلوات ، والقيام بها ، كما القيام بسائر الطاعات ، ومنها الصدقات التي يكافح بها المسلمون الفقر والحاجة. وها نحن نقرأ جميعا قوله عز وجل : ﴿والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم﴾.

 

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون :

 

كل الشرائع الدينية تتضمن شهرا أو أكثر للصوم . فالصيام عبادة مقررة ، ذكرها القرآن في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. بيد أن للصوم معنى إضافيا ومشهودا في الإسلام ، وهو ما يرد في قوله تعالى أيضا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. هنا إذا ثلاثة أمور :

 

الأول: الصيام في الإسلام عبادة لله، وشكر له سبحانه وتعالى، لتفضله بالإنعام على المؤمنين بإنزال القرآن ، ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الشهر الكريم.

 

والأمر الثاني: ارتباط شهر رمضان بالقرآن الكريم ، الذي هو هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . ولذلك، يقبل المسلمون بأجمعهم على قراءة القرآن وتدارسه ، والتعبد بتلاوته في هذا الشهر المبارك ، وغيره من الشهور.

 

والأمر الثالث: أن شهر رمضان ، هو شهر شهود وشهادة ، شهود للقرآن وللإسلام ، وشهود للاحتفاء بإنزال القرآن ، وشهادة لله عز وجل بالإيمان بدينه ، وإنفاذ أركانه ، وأولها في رمضان بالذات، الصلاة والصيام.

 

إن الرسالة الأخرى التي يرسلها إلينا سبحانه وتعالى ، بمناسبة رمضان ومن خلاله، هي رسالة الصبر. والصبر كما يقول العلماء صبران: الصبر عن اللذائذ والحياة السهلة، والصبر على الشدائد . وكثير من الناس يعطون هذين النوعين من الصبر معاني مادية ويومية. وهذا الفهم ليس خطأ ، ولكنه قاصر وغير كاف. فالمهم والبارز في رمضان، هو التركيز على التبصر والبصيرة في الأمور الفردية والشخصية ، والأخرى العامة . وبذلك يرتبط الصبر بالتبصر، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. فالبصيرة هنا تعني اجتناب السهولة والاستخفاف، وتجنب الهوى والأهواء. وهذا بعد آخر للصبر، يتضمن الوعي العميق بالموقف الشخصي والعام.

 

كل فضائل شهر رمضان المبارك، وأثرها في حياتنا ومجتمعنا التي ذكرناها، إلا أننا في هذا العام لم نستطع القيام إلا بأقل القليل وذلك ليس بسبب سوء الأوضاع المعيشية فقط ، بل وبسبب الحرب الإسرائيلية التي قتلت المئات ، وشردت آلاف العائلات، أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء وكبار السن . لقد شاع الخراب في سائر الأنحاء بما في ذلك العاصمة التي ما عادت حامية ولا محمية.

 

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون ، أيها العرب:

 

إن مما لا شك فيه، أن الموقف الذي نجد أنفسنا فيه، مجتمعات ودولا ، يتطلب قدرا كبيرا من الصبر في الشدائد وعليها، وقدرا كبيرا من التبصر والبصيرة. فالغضب يمنع التفكير والتقدير ، كما جاء في الأثر الشريف. كما أن الكآبة تمنع التفكير والتقدير والتدبير. وفي الموقف العربي والإسلامي الآن ما يستدعي الغضب والكآبة والسخط والاستفزاز والاستنزاف . بيد أننا إن وقعنا في هذا كله ، فلا بد من الصبر في هذه الشدائد التي تنزل بنا ، ولا بد من التبصر ، من أجل الفهم والتقدير والتدبير.

 

نحن نشعر أننا متروكون لحكم العدو الصهيوني وتحكمه وجرائمه، وهو يقول لنا: إن شأننا في ذلك سيكون مثل شأن خان يونس، الحي الضخم المخرب والمهجور بقطاع غزة المنكوب. وأول ما يخطر بالبال ماذا يستطيع العالم والمنظمات الدولية والإنسانية أن تفعل لنا. لقد كان عندنا الأمين العام للأمم المتحدة لكن تبين أنه لا يملك غير الأمل والترجي. أما الجهات الإنسانية اللبنانية والخارجية فقد ووجهت خلال عشرة أيام بما لا تستطيع أن تجد سبيلا لتلبيته، في مواجهة جرائم القتل والإصابة فقط ، بل وفي الهول الهائل من المهجرين الذين يفترشون الأرض ، ويلتحفون السماء ، بعد أن لم يعد ممكنا إيجاد مراكز ومواطن إيواء لهم. والأسوأ من ذلك كله ذلك الشك الهائل الذي أثير بين اللبنانيين، في حروبنا السابقة – وهي عديدة لسوء الحظ – كان التضامن بين اللبنانيين مشهودا، أما في هذه الحرب فما عاد أحد يجرؤ على إيواء أحد، لأنه لم يكن يعرف متى يزعم الإسرائيليون أن معظم اللبنانيين أعداء لهم وعملاء، وسيلاحقونهم حيثما يكونون، وهذا المنطق يعني أن من يريد السلامة لنفسه وعياله فعليه أن لا يساعد أحدا رغم ما اعتاد عليه اللبنانيون من الضيافة والتعاطف وحسن الجوار.

 

لقد تعب إذا من مصائبنا وكوارثنا ووجوه ضعفنا الأصدقاء قبل الأعداء، ولذلك يكون علينا أن نفكر ماذا نستطيع نحن أن نفعل لحل مشكلاتنا أو التخفيف منها على الأقل . لقد رأينا ما حصل لغزة وما يزال يحصل، وقد غضب بعضهم عندما طلبنا منهم التفكير بالمآلات. وهذه هي الحكمة حتى في الحكم الشرعي حيث تبحث عن أمرين: دواعي الحكم أو القرار ومآلاته. ولا يمكن السير باتجاه القرار، وهو في هذه الحالة – الحرب – إلا إذا أخذت بالاعتبار النتائج والمآلات.

 

أيها اللبنانيون:

 

لقد كنتم أوفياء وذوي مروءة قبل رمضان، وفي رمضان وإن شاء الله بعده. والمطلوب منا اليوم أكبر وأكثر بكثير. نحن مع قرارات الحكومة التي تعمل لمصلحة الوطن والشعب، وعلينا أن نقف معها ونساندها في مساعيها مع المجتمع الدولي في إيجاد تسوية تحفظ لبنان وتوقف العدوان، وأملنا كبير بدبلوماسيتها الحكيمة والرصينة، وينبغي على اللبنانيين أن يلتزموا ما تقرره حكومتهم التي تصوب البوصلة نحو الأفضل، أما جيشنا اللبناني – حامي الوطن – فيعول عليه في حفظ أمن لبنان وحدوده، ولا يراهنن أحد على الفتنة لأن رهانه خاسر بإذن الله، لأننا سنتصدى لها أيا كان مصدرها مع العقلاء والحكماء في بلدنا، فالمطلوب منا اليوم وغدا أن ندعم قرار الدولة في السلم والحرب، وأن نؤيد المسؤولين في السياسات التي يريدون اتخاذها للخروج من هذه الحرب المدمرة. لا ينبغي أن نرتعد لأن أحدا يمكن أن يتهمنا بالتخاذل وإرادة الفتنة. فالمتخاذلون هم الذين لا يحرصون على السلم الأهلي وعلى حفظ الوطن والدولة. الأوضاع شديدة السوء، وستتطور إلى أسوأ إن لم نصبح أكثر حرصا على مصالحنا وسلامنا وسلامة وطننا وإنساننا.

 

النازحون من قراهم وبلداتهم هم أهلنا وشعبنا واستضافتهم في المناطق اللبنانية هي واجب ديني وإنساني وأخلاقي، وعلى الدولة ومؤسساتها والجهات المانحة والمجتمع الأهلي المحلي مسؤولية كبيرة تجاههم لمساعدتهم وحفظ كرامتهم على حد سواء .

 

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون :

 

لمناسبة عيد الفطر المبارك الذي يصعب الاحتفال به وسط هذه الظروف الصعبة والقاسية ، نسأل الله سبحانه وتعالى في خواتيم شهر الطاعات والرحمات ، ونحن نرغب إليه وندعوه عز وجل أن يجعل بعد عسر يسرا ، وبعد بلاء رحمة ، وأن يرحم شهداءنا ويغفر لموتانا ، وأن يهبنا شجاعة الحكمة ، وشجاعة المسؤولية ، والحرص على وطننا ودولتنا وإنساننا وأطفالنا ومستقبلنا ، إنه سميع مجيب.

 

بارك الله لكم أيها المسلمون صومكم وفطركم ، وصلاتكم وزكاتكم ، وعملكم من أجل الخير والبر والتقوى .

 

وكل شهر رمضان ، وكل عيد فطر ، وأنتم أيها المسلمون ، وأيها اللبنانيون بخير.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.