Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر March 18, 2026
A A A
الذكاء الاصطناعي يدخل حرب الاغتيالات في لبنان
الكاتب: مرلين وهبة

كتبت مرلين وهبة في “الجمهورية”:

باتت التكنولوجيا المتقدّمة، ولا سيّما أنظمة الذكاء الاصطناعي، تشكّل العمود الفقري للعمليات العسكرية الجارية في لبنان والمنطقة، حيث تحوّلت البيانات الضخمة إلى أداة مباشرة لتحديد الأهداف وتنفيذ الضربات بدقة وسرعة غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، تكشف معطيات ميدانية وتقارير تحليلية عن منظومة متكاملة من الأنظمة الرقمية التي تستخدمها إسرائيل لتحويل المعلومات الاستخباراتية إلى ما يُعرَف بـ«الأهداف القاتلة» خلال ثوانٍ معدودة.

في مقدّمة هذه الأنظمة، يبرز نظام «جيوسبل» (The Gospel/Habsora)، الذي يُوصف بأنّه «مصنع إنتاج أهداف». يعتمد هذا النظام على تحليل صور الأقمار الصناعية والمسح الحراري لتحديد التغييرات البنيوية في المباني، خصوصاً في جنوب لبنان وبيروت، مثل التحصينات المفاجئة أو أنماط الحركة غير الاعتيادية. وبناءً على هذه المعطيات، تُصنَّف المواقع كأهداف عسكرية مع اقتراح نوع الذخيرة المناسبة لاستهدافها.

أمّا نظام «لافندر» (Lavender)، فيتخصَّص في استهداف الأفراد، إذ يُحلِّل البصمة الرقمية والسلوكية لآلاف الأشخاص، عبر تتبُّع بيانات الهواتف وأنماط الحركة والتواصل. ويُمنح كل فرد «مؤشر اشتباه»، وعند تجاوزه مستوى معيَّناً، يُدرج ضمن قوائم الاستهداف، ما يعكس مستوى غير مسبوق من الأتمتة (automatic) في اتخاذ القرار.

ويأتي نظام «أين أبي؟» (?Where’s Daddy) كأحد أكثر الأدوات حساسية، إذ يُتيح تتبُّع الأهداف بشكل لحظي، وانتظار اللحظة المناسبة لتنفيذ الضربة، خصوصاً عند دخول الشخص المستهدف إلى موقع محدَّد. وتشير المعطيات إلى أنّ هذا النظام لعب دوراً أساسياً في دقة عمليات الاغتيال التي استهدفت كوادر ميدانية في البقاع والجنوب خلال الفترة الأخيرة.

إلى جانب ذلك، يعمل نظام Alchemist كمنصة دعم قرار للقادة، عبر تحليل بيانات الرادارات وأجهزة الاستشعار للتنبّؤ بمواقع إطلاق الصواريخ أو المسيّرات، واقتراح توزيع أنظمة الاعتراض بما يرفع نسبة النجاح العملياتي. كما يربط نظام Fire Weaver بين المستشعرات ووحدات التنفيذ، فتنتقل البيانات من الطائرات المسيّرة إلى القوات الميدانية وغرف العمليات في وقت شبه فوري، ما يقلّص زمن اتخاذ القرار من دقائق إلى ثوانٍ.

 

في المقابل، تشير المعطيات إلى أنّ إيران و«حزب الله» انتقلا من نمط الدفاع التقليدي إلى ما يمكن وصفه بـ«الحرب السيبرانية المضادة»، في محاولة لكسر التفوُّق التكنولوجي الاسرائيلي. وتعتمد هذه الاستراتيجية على تقنيات متعدِّدة، أبرزها استخدام «النماذج المعادية» التي تُربك خوارزميات الرؤية عبر أنماط تمويه تجعل الأهداف العسكرية تبدو كمنشآت مدنية أو زراعية.

كما رُصِدَت محاولات لـ«تسميم البيانات»، عبر ضخ كمّيات كبيرة من المعلومات المضلِّلة في الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ما يؤدّي إلى تضخيم عدد الأهداف الوهمية وإبطاء عملية اتخاذ القرار. كذلك، تُستخدَم تقنيات التشويش والتلاعب بإشارات الموقع الجغرافي لإزاحة دقة الصواريخ الموجَّهة، بالإضافة إلى محاكاة البصمات الإلكترونية لاستدراج الأنظمة إلى استهداف مواقع وهمية.

ومن بين أخطر هذه الأساليب، ما يُعرف بـ«الدروع البشرية الرقمية»، إذ تُخلَط بيانات المدنيِّين مع بيانات العناصر العسكرية التابعة لـ«حزب الله»، ما يرفع كلفة اتخاذ القرار العسكري ويزيد من احتمالات التردُّد في تنفيذ الضربات، خشية وقوع خسائر مدنية واسعة.

هذه المواجهة تعكس دخول المنطقة مرحلة جديدة من «سباق التسلّح البرمجي»، إذ لم تعُد المعركة تقتصر على الصواريخ والطائرات، بل باتت تدور أيضاً داخل الخوارزميات والأنظمة الرقمية. وبينما تسعى إسرائيل إلى تعزيز تفوُّقها عبر «الرصاصة الذكية»، تعمل إيران و»حزب الله» على تطوير «الدرع الرقمي» لامتصاص هذا التفوُّق.

ويحذّر خبراء من أنّ نجاح تقنيات التضليل والتمويه قد يدفع إلى تغيير في قواعد الاشتباك، إذ قد تلجأ إسرائيل إلى تكثيف الضربات العشوائية أو توسيع نطاق العمليات، في حال فقدت الثقة بفعالية أنظمتها الذكية، ما يُنذر بتصعيد أكثر خطورة على المستوى الإنساني والميداني.