Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر March 18, 2026
A A A
أهداف الاجتياح البرّي وحسابات الحزب
الكاتب: عماد مرمل - الجمهورية

مع بدء الاجتياح البري المتدرِّج أو المتدحرج لجزء من الجنوب، تكون الحرب الإسرائيلية على لبنان و»حزب الله» قد انتقلت إلى مستوى آخر، تفترض تل أبيب معه أنّها ستستطيع خلط الأوراق وتغيير المعادلات. فهل ستصح حساباتها أم سيكون للأرض رأي مختلف؟

تؤشر الوقائع حتى الآن إلى أنّ العدو الإسرائيلي يحاذر الاندفاع السريع والواسع في داخل الأراضي اللبنانية، خشية من الأثمان التي قد يرتبها عليه ذلك، محاولاً على ما يبدو تفادي تكرار أخطاء حرب 2006، حين لحقت به خسائر وازنة خلال تقدُّمه البري، لعلّ أقساها وأوضحها تمثل في ما اصطلح على تسمِيَته بمجزرة الدبابات في وادي الحجير، بعدما شكّلت صواريخ «الكورنيت» التي استعملتها «المقاومة» آنذاك إحدى مفاجآت الحرب.

وحتى لا يتكرَّر السيناريو نفسه بعد 20 سنة، يعتمد جيش الاحتلال في هجومه البري الحالي استراتيجية القضم والتقدُّم البطيء، محاولاً تجنُّب الانكشاف الكامل أمام عناصر «حزب الله»، خصوصاً أنّ تضاريس الجنوب عموماً والمنطقة الحدودية خصوصاً، تخدم المدافعين وتعطيهم هامشاً واسعاً للتحرُّك والمناورة القتالية، انطلاقاً من توزُّعهم إلى مجموعات صغيرة تملك مرونة الحركة وخاصية الكَرّ والفَرّ.

وما زاد من حذر الجيش الإسرائيلي، هو أنّ الأيام الأولى من الاشتباك وعمليات «جسّ النبض» الناري، أظهرت أنّ الحزب في جهوزية، ولا تزال لديه القدرة على اصطياد دبابات الميركافا، كما ظهر في أشرطة الفيديو التي نشرها «الإعلام الحربي»، ووثقت إصابة بعضها على نحو مباشر في مواقع تموضعها.

ومن المعروف أنّ النزال البري هو الملعب المفضَّل لـ«حزب الله» في أي معركة مع القوات الإسرائيلية، استناداً إلى تمرُّسه وخبرته في هذا الميدان، لاسيما أنّ المواجهة تصبح عندها من مسافات قصيرة، الأمر الذي من شأنه أن يعطّل أو يقلّص قدرة جيش الاحتلال على الإستفادة من أحد أهم عناصر قوّته وتفوُّقه، والمتمثل في سلاح الجو الذي سيغدو مقيَّداً في ضرباته تفادياً لإصابة الجنود الإسرائيليِّين المنخرطين في القتال مع مقاتلي «حزب الله» من قرب.

وبهذا المعنى، يعوّل الحزب على توريط الإسرائيلي في المستنقع اللبناني مجدّداً واستنزاف قواه، سواء عبر تدفيعه ثمناً كبيراً لأي غزو برّي أو عبر رفع كلفة احتلاله لاحقاً ومنعه من الاستقرار والثبات في المناطق التي قد يسيطر عليها.

بالإضافة إلى ذلك، هناك مَن يلفت إلى أنّه إذا كان من بين أهداف أي اجتياح إسرائيلي برّي زيادة الضغط على الدولة اللبنانية لنزع سلاح «حزب الله»، فإنّ ما سيحصل هو أنّ احتلال أراضٍ لبنانية جديدة سيُعيد تجديد شرعية السلاح وسيدفع الحزب وغيره إلى التمسُّك به أكثر من أي وقتٍ مضى، على قاعدة أنّ القوانين الدولية والحقوق الوطنية تُجيز اعتماد خيار «المقاومة» المسلّحة لتحرير الأرض من الاحتلال.

أمّا بالنسبة إلى مشروع إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح والسكان من خلال احتلال جنوب الليطاني أو جزء منه، فإنّه ليس مضموناً أن ينجح هذا المشروع في حماية مستوطنات شمال فلسطين المحتلة كما يطمح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، إذ من المعروف أنّ الصواريخ الباليستية والبعيدة المدى تُطلق من شمال الليطاني، وبالتالي السيطرة على جنوب النهر لا تُفيد تل أبيب سوى في احتواء خطر الصواريخ المضادة للدروع.

لكن يبقى أنّ احتلال مزيد من الأراضي الجنوبية، أياً تكن مساحتها، سيستخدمه الجانب الإسرائيلي في مضاعفة الضغط على السلطة اللبنانية لدفعها إلى نزع سلاح «حزب الله» شمال الليطاني، والإتيان بها إلى طاولة المفاوضات المباشرة وهي في أضعف موقف ممكن… فهل ينجح هذا المسعى أم أنّ السيناريو الميداني قد يفرض وقائع معاكسة له؟