Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر March 18, 2026
A A A
السلع والخدمات بعد الإيجارات: استغلال النازحين بلا سقوف
الكاتب: زينب حمود

كتبت زينب حمود في “الأخبار”:

لم يحتج النازحون جرّاء الحرب الإسرائيلية وقتاً طويلاً ليدركوا أنّ استئجار منزل في «منطقة آمنة» لا يعني نهاية المعاناة، بل قد يكون بدايتها. فتجّار الأزمات حاضرون في كل القطاعات، لا في السكن وحده.
بدأ الاستغلال ببدلات إيجار خيالية تراوحت بين 1500 و2000 دولار شهرياً، في مقابل شقق لا تستحق هذه المبالغ، ترافقت مع شروط قاسية، كدفع ستة أشهر سلفاً، إضافة إلى تأمين يوازي بدل شهر كامل.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ توسّعت أساليب الاستغلال لتشمل تفاصيل الحياة اليومية. ففي بشامون، اشترط صاحب شقة على عائلة نازحة تسديد متأخرات مترتّبة عليه لشركة المياه بقيمة 225 دولاراً، مقابل فتح «عيار المياه». تروي سارة، إحدى أفراد العائلة: «وصلنا بعد رحلة نزوح شاقة من الضاحية، ولم ندقّق في التفاصيل، لأن همّنا كان إيجاد مأوى، فدفعنا المبلغ لأننا بحاجة إلى الماء كما إلى السكن». لكن فصول الاستغلال لم تنتهِ هنا. فبعد المياه، طالبت لجنة البناء العائلة نفسها بدفع 100 دولار لقاء تمديد «كابل» من المولّد إلى الشقة!

في مقابل المبادرات الإنسانية التي شهدتها مناطق عدّة دعماً للعائلات النازحة، برز وجهٌ آخر أكثر قسوة، تمثّل في ممارسات تمييزية تعامل النازحين كـ«مواطنين من درجة ثانية». تتجلّى هذه السلوكيات في تفاصيل يومية، كمنعهم من ركن سياراتهم داخل مواقف الأبنية، وإجبارهم على ركنها في الشوارع، أو فرض شروط إضافية للاستفادة من خدمات يدفعون ثمنها أساساً.

في عاليه، يصر أحد أصحاب المولدات الكهرباء الذي سعتمد العدّاد لأبناء المنطقة، على فرض نظام «المقطوعية» على النازحين بحجّة أنهم غير مالكين. وعندما استفسر مهدي عن سبب التمييز بينه وبين مستأجرين آخرين، كان الجواب عرضاً مشروطاً: تركيب عدّاد مقابل تأمين قدره 300 دولار يُسترد عند المغادرة. يقول مهدي: «لو كنت أملك هذا المبلغ، كنت سأتركه للطعام والشراب».

ومع انتقال عدد من العائلات إلى منازل غير مسكونة، برزت حاجة ملحّة لإجراء تصليحات صحية عاجلة، ما رفع الطلب على «السنكرية». بعضهم اعتذر بسبب ضغط العمل، فيما استغلّ آخرون الظرف لفرض شروطهم. أحدهم، مثلاً، اشترط تأمين نقله من الشويفات إلى عاليه وإعادته لأنه ترك سيارته في «الكاراج». وفي حالات أخرى، تحوّلت الحاجة إلى باب للاستغلال المباشر، كما حصل مع عائلة فاطمة التي لجأت إلى منزل جدتها المهجور في برجا. تقول: «استدعينا سنكرياً لإصلاح تمديدات المياه، فطلب 100 دولار مقابل بضع ساعات».

كذلك يعاني النازحون من ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية، من اشتراكات الإنترنت وأجهزة «الراوتر»، إلى كهرباء المولدات، وصولاً إلى المواد الغذائية والتنظيفية والأثاث. وكما في كل الأزمات، ارتفعت أسعار «سلع الحرب»، كالفُرش والأغطية والوسائد. يقول أبو حسين: «كنّا نشتري الفرشة من الأوزاعي بـ11 دولاراً، واليوم تُباع في الجبل بـ25 دولاراً، وبنوعية أقل».

يدرك النازحون سريعاً حجم الفارق في الأسعار عند مقارنتها بما اعتادوا عليه في المناطق التي جاؤا منها. يقول أحد النازحين في بشامون: «قبل الحرب اشتريت مونة كاملة من المواد الغذائية والتنظيفية بـ250 دولاراً، بينما كلّفتني في مكان النزوح 375 دولاراً».
هذا الارتفاع يطرح تساؤلات لدى العائلات: هل الغلاء قائم أساساً في هذه المناطق، أم أنّه تفاقم مع أزمة النزوح وازدياد الطلب على السلع؟ فمعظم النازحين قدموا من مناطق شعبية مثل الضاحية الجنوبية، التي كانت تُعدّ مقصداً لذوي الدخل المحدود بسبب انخفاض الأسعار، لينتقلوا إلى مناطق تُصنّف، في بعض الأحيان، سياحية وأكثر كلفة.

لطيفة، وهي نازحة إلى صوفر، عاشت هذا الالتباس بنفسها. تقول إنها لم تفهم أسباب الغلاء في البداية، إلى أن دخلت أحد متاجر «One Dollar» ولاحظت أنّ منشر غسيل كان سعره 14 دولاراً أصبح بـ17 دولاراً. وعندما سألت، جاءها الجواب من موظفة الصندوق: «كل شي غِلي بهاليومين».

بين الواقع الاقتصادي العام واستغلال الأزمة، يبقى النازحون عالقين في منطقة رمادية، يدفعون فيها كلفة مضاعفة لحاجاتهم الأساسية، من دون قدرة على التمييز بين ما هو طبيعي وما هو مفتعل.