Beirut weather 27.43 ° C
تاريخ النشر March 18, 2026
A A A
في زمن النزوح: الناس «دولة» بعضهم!
الكاتب: زينب بزي - الأخبار

«بقيوا جماعة بُسَطَا وطيّبين، على نياتن صمدوا وغلبوا». بهذه العبارة المستعارة من إحدى أغنيات الراحل زياد الرحباني، يمكن اختزال ما يجري اليوم في كثير من مراكز الإيواء. فبينما تُغرِق السلطة، اللبنانيين، بالأرقام والبيانات اليومية عن أعداد النازحين والمراكز المفتوحة و«الإنجازات» المُحقّقة، وأخذ الصور الفوتوغرافية إلى جانب المساعدات التي تصل تباعاً، يتولّى «الطيّبون» العمل الحقيقي على الأرض.

بقدراتهم المحدودة وإمكاناتهم البسيطة، يحاولون سدّ الفراغ والصمود بوجه المؤسّسات الرسمية التي تركتهم وحدهم لقدرهم. يتحرّكون كخلية نحل: ينشرون النداءات، يؤمّنون المساعدات، يوزّعون ما تيسّر، يلاعبون الأطفال ويمازحونهم ويخفّفون قدر الإمكان وطأة النزوح عن العائلات التي وجدت نفسها فجأة في العراء.

ومن بين هذه المبادرات تبرز ميرنا عيتاني وزوجها فضل سليمان. اعتادت ميرنا مساعدة الناس في أيام السلم، ولم يكن ممكناً أن تتخلّى عنهم في زمن الحرب. مع بدء موجة النزوح، فتحت بنفسها أبواب مدرسة «روضة العلوم» في المصيطبة، كما فعلت في المرة السابقة. رتّبت الصفوف، وأزاحت المقاعد جانباً، وحوّلتها إلى غرف تستقبل العائلات. الأم لخمسة أطفال، تأتي بأولادها معها إلى المركز ليشاركوا بقية الأطفال اللعب، فيما تنشغل هي بمحاولة تأمين ما تحتاج إليه العائلات المقيمة، وتخفيف شيء من ثقل الأيام القاسية.

تعرف جميع العائلات الموجودة في المدرسة: عدد أفرادها، أعمار الأطفال، وما ينقصهم من حاجات. تحمل كيساً كبيراً مليئاً بالثياب والحليب والأدوية، وتبدأ جولتها بين الصفوف. تدقّ كل الأبواب. تعطي هذه ثياباً لرضيعها، وأخرى علبة حليب و«سيريلاك». تحفظ مقاسات الأطفال وتختار لكل عائلة ما يناسبها من الملابس. يمكن تسميتها «ماما نويل»، إلا أنّها لا تأتي مرة في السنة أو بعد منتصف الليل، بل حاضرة في كل أوقات الحاجة.

لدى سؤالها عن وضع المركز ومن يؤمّن الاحتياجات، تؤكّد أنّ الدولة شبه غائبة، فيما بعض الجمعيات تحضر بين حين وآخر لتأمين جزء من الحاجات. الحضور الرسمي يكاد يقتصر على «طناجر» طعام تصل أحياناً من الهيئة العليا للإغاثة، فيما تتولّى جهات إضافية من أحزاب في المنطقة ومبادرات من مطاعم تأمين وجبات طعام. وكل ما تبقّى هو جهود فردية متفرّقة: جمعية تؤمّن فرشاً وأغطية، وأخرى أدوات طبخ، وثالثة مساعدات طبية. إلا أنّ النقص لا يزال كبيراً. تنشر ميرنا عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي لائحة بما ينقص العائلات من ثياب وأدوية ومواد غذائية، وتنطلق لجمعها من أشخاص متبرّعين.

اللافت أيضاً الغياب الكبير للجمعيات مقارنةً بما حدث في الحرب السابقة. وهو ما يطرح تساؤلات لدى العاملين في الميدان: هل يعود ذلك إلى نقص التمويل، أم إلى الإجراءات التي تفرضها الجهات الرسمية، ولا سيما شروط وزارة الشؤون الاجتماعية بضرورة إبلاغها مُسبقاً بكل خطوة تنوي أي جمعية القيام بها داخل مراكز الإيواء؟

لا تكتفي ميرنا بتأمين الاحتياجات الأساسية. فهي، بحكم عملها في التعليم، تحاول أيضاً منح الأطفال بعض الوقت الذي يشبه حياتهم الطبيعية. تجمعهم في الصفوف، تلاعبهم، وتبتكر أنشطة بسيطة تساعدهم على نسيان ما مرّوا به ولو لوقت قصير.

أمّا واقع العائلات في المركز فشبيه بما تعيشه غالبية مراكز الإيواء، وربما أصعب. الصفوف غير مُجهّزة للحياة اليومية. مجرد سقوف وجدران تحتمي بها العائلات. في أحد المداخل، نصبت عائلة «شادراً» لتخلق زاوية صغيرة من الخصوصية. وفي غرف أخرى، ينام أطفال رُضّع في ظروف لا يمكن اعتبارها صحية لأي طفل في العالم. أمّا النظافة الشخصية ونظافة المكان، فتبقيان تحدّياً يومياً. فمن لديه قريب يسكن في مكان قريب يذهب إليه للاستحمام، فيما يقصد آخرون مجمعاً قريباً. تحاول ميرنا، عبر التبرعات الفردية، تأمين مواد تنظيف لكل صف. وعلّقت على باب المدرسة «لائحة تعليمات» تنظّم الحياة اليومية داخل المكان: الحفاظ على النظافة، احترام الهدوء وتنظيم استخدام المرافق المشتركة.

ما يحدث في هذا المركز ليس حالة استثنائية. بل نموذج مُصغّر عمّا يجري في كثير من مراكز الإيواء. في كل مكان تقريباً، يتقدّم الأفراد والمبادرات الصغيرة لملء فراغ تركته مؤسسات يُفترض أنها مسؤولة عن إدارة الأزمة. وهنا يبرز السؤال البسيط الذي يردّده كثيرون: أين الدولة؟. والجواب المنطقي الوحيد، أنّ الناس أصبحوا «دولة» بعضهم.

ففي الأزمات الكبرى، يُفترض أن تكون الدولة هي الإطار الذي ينظّم الجهود ويوجّهها ويؤمّن الحد الأدنى من الكرامة للناس. لكن ما يظهر على الأرض هو العكس تماماً: أفراد بقدرات محدودة يحاولون الإمساك بما يمكن إنقاذه، فيما تغيب الإدارة العامة إلا في البيانات والمؤتمرات الصحافية. في النهاية، ما يفعله «الطيّبون» اليوم هو ما يُبقي هذه المراكز قابلة للحياة. لكن لا يمكن لأي مجتمع أن يبني نظام إغاثة على حسن نيات الأفراد وحده. فحين تصبح مبادرات مثل مبادرة ميرنا هي القاعدة لا الاستثناء، فهذا لا يدلّ فقط على قوة التضامن بين الناس، بل يكشف أيضاً حجم الفراغ الذي تركته الدولة خلفها.