Beirut weather 20.77 ° C
تاريخ النشر March 17, 2026
A A A
«خارك» حلم ترامب منذ 1988 | احتلال جزر إيران: لماذا ستفشل أميركا هنا أيضاً؟
الكاتب: حسن حيدر

كتب حسن حيدر في الأخبار 

تقف جزيرة «خارك» المرجانية بمساحتها الصغيرة التي لا تتجاوز 24 كيلومتراً مربّعاً كشاهد حيّ على صراع الإرادات في قلب الخليج؛ فهي ليست مجرّد رصيف لتصدير النفط، بل تمثّل عقدة جيوسياسية تختزل تاريخاً طويلاً من التنافس الدولي والتحوّلات الاستراتيجية في المنطقة.

منذ العصور القديمة، جذب موقعها في منتصف الممرّات البحرية للخليج اهتمام القوى التجارية والبحرية التي عبرت هذه المياه، إلا أن دورها في العصر الحديث اكتسب أبعاداً مختلفة مع تطوّر صناعة النفط، وتحوّل الخليج إلى أحد أهمّ مراكز الطاقة في العالم.

ومع توسّع استخراج النفط في جنوب غرب إيران خلال القرن العشرين، تحوّلت «خارك» تدريجياً إلى مركز حيوي لتجميع النفط وتصديره، حيث تمّ ربط خطوط الأنابيب للحقول النفطية في البرّ الإيراني بالجزيرة، لتصبح الأخيرة لاحقاً المنفذ الرئيس الذي تمرّ عبره نسبة كبيرة من الصادرات النفطية الإيرانية نحو الأسواق العالمية. وبفضل منشآتها الضخمة للتخزين والتحميل وطبيعة شواطئها العميقة، أصبحت الجزيرة ركناً أساسياً في البنية الاقتصادية الإيرانية، كما تحوّلت إلى نقطة حسّاسة في معادلة استقرار سوق الطاقة العالمية، نظراً إلى موقعها الجغرافي البالغ الأهمية استراتيجياً.

 

وعلى الرغم مما تمثّله «خارك» من قيمة اقتصادية، فإن أهميتها ليست اقتصادية فحسب، بل هي عسكرية أيضاً، أخذاً في الاعتبار ما أثبتته التجربة التاريخية من أنها قادرة على الصمود في وجه ضغوط عسكرية كبيرة. فخلال سنوات الحرب الإيرانية – العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، تعرّضت منشآت «خارك» النفطية لسلسلة من الضربات الجوية العراقية المكثّفة ضمن ما عُرف آنذاك بـ«حرب الناقلات»، وهي المرحلة التي شهدت استهداف البنية التحتية للطاقة والموانئ النفطية في الخليج. وعلى الرغم من كثافة القصف، فشلت تلك الهجمات في شلّ دور الجزيرة بالكامل، فيما استمرّت عمليات التصدير منها بدرجات متفاوتة طوال سنوات الحرب. وشكّل ذلك دليلاً على قدرة البنية النفطية الإيرانية في «خارك» على امتصاص الصدمات ومواصلة العمل حتى في ظلّ ظروف الصراع العسكري المباشر.

وفي خضمّ تلك التوترات التاريخية، وتحديداً عام 1988، برزت إلى السطح تصوّرات في بعض الأوساط الأميركية تتحدّث عن إمكانية استخدام السيطرة على الجزيرة كورقة ضغط استراتيجية. ففي مقابلة شهيرة مع صحيفة «الغارديان»، دعا رجل الأعمال الأميركي آنذاك، دونالد ترامب، إلى احتلال «خارك» والاستيلاء على منشآتها النفطية بما قد يمنح الولايات المتحدة القدرة على الضغط على إيران عبر التحكّم بصادراتها النفطية. وعلى الرغم من أن تلك التصريحات صدرت من خارج المؤسسات الرسمية الأميركية، فإنها عكست تصوّراً استراتيجياً قائماً على فكرة أن السيطرة على عقدة الطاقة الأساسية يمكن أن تشكّل وسيلة فعّالة للتأثير في الاقتصاد الإيراني.

 

تبدو فكرة احتلال «خارك» أقرب إلى ضغط سياسي منها إلى خطة قابلة للتنفيذ

 

 

اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك التصريحات، تعود النقاشات السياسية والاستراتيجية في الولايات المتحدة لتستحضر سيناريوات مشابهة، وتتحدّث عن احتمال فرض سيطرة عسكرية على الجزيرة أو تنفيذ عمليات إنزال لحماية المنشآت النفطية أو تعطيلها في إطار الضغط على طهران. غير أن مثل هذه الطروحات تصطدم بواقع ميداني مُعقّد؛ إذ إن «خارك» ليست مجرد جزيرة معزولة يمكن التعامل معها كهدف عسكري تقليدي، بل هي منشأة نفطية ضخمة مترابطة البنية تضمّ مرافق تخزين وتحميل وأنظمة نقل مرتبطة مباشرة بالبنية التحتية للطاقة داخل إيران.

 

وبالتالي، فإن أيّ عمل عسكري يستهدف الجزيرة يحمل مخاطر كبيرة، ليس فقط بسبب احتمال تدمير المنشآت النفطية ذاتها، بل أيضاً بسبب التداعيات الاقتصادية التي قد تنجم عن تعطيل عمليات التصدير أو تضرّر البنية النفطية الحسّاسة وتلوّث مياه الخليج. فهذه المنشآت تمثّل استثمارات بمليارات الدولارات، وأيّ مواجهة عسكرية في محيطها قد تؤدي إلى خسائر واسعة النطاق، إضافة إلى احتمال حدوث اضطرابات كبيرة في سوق الطاقة العالمية.

وإذ يبدو الحديث عن عمليات برية في إيران قد تستهدف جزراً من مثل «خارك» و«طنب الكبرى» و«طنب الصغرى» و«أبو موسى»، بمثابة تمهيد لمحاولة استعراض القوة بالنار، والتقاط صور لوجود قوات أميركية على أراضٍ إيرانية، فإن حجم التعقيد الذي يحيط بأيّ سيناريو عسكري يتعلّق بالجزر، وخاصة «خارك»، سيؤدي إلى تعطيل صادرات النفط من الجزيرة. وهذا لن يبقى حدثاً محصوراً في نطاق جغرافي ضيّق، بل سيمتدّ تأثيره إلى مجمل منظومة تصدير النفط في الخليج، حيث قد تتوقّف عمليات منصّات النفط والموانئ من العراق في البصرة شمالاً، مروراً بالكويت والبحرين وقطر والسعودية والإمارات وصولاً إلى عُمان. وبذلك، يصبح أيّ تصعيد في هذه المنطقة عاملاً يهدّد استقرار تدفّقات الطاقة العالمية.

وانطلاقاً من ما تقدّم، تبدو فكرة احتلال «خارك» أو فرض سيطرة عسكرية عليها أقرب إلى أداة ضغط سياسية منها إلى خطّة قابلة للتنفيذ. فالجغرافيا المُعقّدة للمنطقة، والتشابك العميق بين البنية النفطية والممرات البحرية، يجعلان من هذه الجزيرة نقطة حسّاسة في معادلة الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، يَصعب معها الدخول في مغامرات من هذا النوع.