Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر March 16, 2026
A A A
مأزق واشنطن في مضيق هرمز: دعوات ترامب لتشكيل تحالف بحري تصطدم بتردد الحلفاء

دخلت مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفتح مضيق هرمز مرحلة معقّدة، بعدما تحوّلت من إعلان القدرة على «القضاء على القوة البحرية الإيرانية» وتأمين الملاحة في المضيق، إلى دعوات متكررة للحلفاء وحتى بعض الخصوم للمشاركة في تأمينه، وسط مؤشرات على تعثر الخيار العسكري الذي روّجت له الإدارة الأميركية في بداية الأزمة.

فبعد تعهّد واشنطن بضمان عبور السفن في الممر المائي الحيوي، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، دعا ترامب عدداً من الدول، بينها الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، إلى إرسال سفن حربية إلى المنطقة، مبرراً ذلك بأن هذه الدول تتلقى النفط عبر المضيق وبالتالي تتحمل مسؤولية حمايته.

غير أن هذه الدعوة قوبلت بتشكيك واسع، حيث علّق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بسخرية على تصريحات ترامب، معتبراً أن الولايات المتحدة «أصبحت تتوسل الدول الأخرى لمساعدتها في تأمين مضيق هرمز»، من دون أن تحصل على تأكيد واحد من الدول التي تواصلت معها.

وفي الوقت الذي حاول فيه ترامب الترويج مجدداً لروايته بشأن نجاح الولايات المتحدة في تدمير «100% من القدرات العسكرية الإيرانية»، مؤكداً أن المخاطر الحالية تقتصر على «طائرة مسيّرة أو اثنتين أو لغم أو صاروخ قصير المدى»، رأى مراقبون أن طلبه المساعدة من دول أخرى يعكس اعترافاً ضمنياً بأن الخيارات العسكرية والسياسية التي طرحتها واشنطن وصلت إلى طريق مسدود.

ويشير هؤلاء إلى أن الأسطول الأميركي لم يتمكن حتى الآن من تحييد التهديدات غير التقليدية في المضيق، مثل الألغام الذكية والزوارق الانتحارية، التي يُعتقد أنها قادرة على تعطيل حركة التجارة العالمية رغم التفوق البحري الأميركي.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة لشبكة “سي أن أن” أن البنتاغون ومجلس الأمن القومي قلّلا بشكل كبير، خلال التخطيط للعملية ضد إيران، من احتمال إغلاق طهران مضيق هرمز. وأضافت المصادر أن فريق الأمن القومي التابع لترامب لم يقدم تقييماً كاملاً للعواقب المحتملة لهذا السيناريو، رغم تحذيرات بعض المسؤولين من أنه قد يتحول إلى أسوأ الاحتمالات التي تواجه الإدارة الأميركية.

كما أشارت المصادر إلى أن اعتماد ترامب على دائرة ضيقة من المستشارين المقربين ساهم في تهميش النقاشات بين المؤسسات الحكومية حول التداعيات الاقتصادية المحتملة لإغلاق المضيق، رغم الدور البارز الذي لعبه كل من وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الطاقة كريس رايت في مراحل التخطيط للصراع.

وبحسب مسؤولين تحدثوا إلى الشبكة نفسها، قد يستغرق الأمر أسابيع قبل أن تتمكن الإدارة الأميركية من الحد من التداعيات الاقتصادية المتزايدة، خصوصاً في ظل المخاطر المرتفعة التي ترافق أي عمليات مرافقة بحرية لناقلات النفط عبر المضيق، وهو ما يراه البنتاغون خياراً شديد الخطورة في الوقت الحالي.

ورغم تقليل ترامب من تأثير الاضطرابات في أسواق الطاقة، إذ دعا في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» طواقم ناقلات النفط إلى «إظهار بعض الشجاعة والمرور عبر المضيق»، فإن الواقع الميداني أثار حالة من الارتباك لدى الدبلوماسيين والمسؤولين الاقتصاديين ومديري شركات الطاقة، وفق ما نقلته “سي أن أن” عن مصادر مطلعة.

وقال مسؤول أميركي سابق خدم في إدارات جمهورية وديمقراطية إن منع حدوث مثل هذا السيناريو كان «مبدأ أساسياً في سياسة الأمن القومي الأميركي لعقود»، معبّراً عن دهشته من الطريقة التي تعاملت بها الإدارة الحالية مع الأزمة.

وأضافت تقارير أن شركات نفطية طلبت بشكل متكرر مرافقة عسكرية أميركية لناقلاتها، إلا أن البحرية الأميركية رفضت تلك الطلبات، فيما أبلغ مسؤولون عسكريون المشاركين في قطاع الطاقة أنهم لم يتلقوا أوامر ببدء عمليات مرافقة بسبب المخاطر المرتفعة التي تهدد الأصول الأميركية في المنطقة.

حلفاء مترددون

على صعيد الحلفاء، لم تظهر الدول التي دعاها ترامب حماسة كبيرة للمشاركة في تحالف بحري تقوده واشنطن في الخليج. فالمملكة المتحدة، رغم إرسالها المدمرة HMS Dragon إلى البحر الأبيض المتوسط، تؤكد أن هذا الانتشار لا يعني الانخراط في الحرب بشكل هجومي، بل يندرج ضمن استراتيجية «الدفاع النشط» وحماية المصالح البريطانية، ولا سيما القواعد العسكرية مثل قاعدة “أكروتيري” في قبرص.

كما تدرس لندن خيار الاكتفاء بإرسال طائرات مسيّرة مخصصة لرصد الألغام في المنطقة، وفق ما أوردته صحيفة «صنداي تايمز»، في حين ذكرت «صنداي تلغراف» أن بعض الطائرات الاعتراضية المسيّرة التي طورتها بريطانيا قد تُستخدم أيضاً ضد الطائرات الإيرانية من طراز “شاهد”.

أما فرنسا، فقد أعلنت وزيرة الجيوش كاترين فوتران صراحة أن باريس لن ترسل في هذه المرحلة أي سفينة حربية إلى مضيق هرمز.

وفي اليابان، التي يُتوقع أن تكون من الدول الأكثر تأثراً بإغلاق المضيق، أكدت رئيسة الوزراء تاكائيتشي سانائيه أن طوكيو لا تخطط حالياً لنشر كاسحات ألغام في المنطقة، رغم أن الدستور السلمي لليابان قد يسمح بالمساعدة في إزالة الألغام بعد انتهاء الحرب.

كما نقلت هيئة الإذاعة اليابانية عن مصادر في وزارة الخارجية قولها إن اليابان تتخذ قراراتها بنفسها ولن ترسل سفناً لمجرد طلب ترامب ذلك.

وفي خطوة تعكس اتساع التباينات بين واشنطن وحلفائها، رفض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر طلباً مباشراً من ترامب للمشاركة في أسطول عالمي جديد للقيام بدوريات في الخليج، مفضلاً التركيز على المسار الدبلوماسي لخفض التصعيد.

وقال مصدر رفيع في وزارة الدفاع البريطانية إن أولوية لندن «تبقى تحقيق الاستقرار الإقليمي عبر القنوات القائمة»، مضيفاً أن زيادة الحشد العسكري في هذه المرحلة قد لا تحقق النتيجة المرجوة.

وبينما يصر ترامب على تحميل الدول المستفيدة من نفط الخليج مسؤولية حماية المضيق، تشير التطورات الأخيرة إلى أن مساعيه لتشكيل تحالف بحري واسع ما زالت تواجه عقبات سياسية وعسكرية كبيرة، ما يعكس تعقيد المشهد في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.