Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر March 16, 2026
A A A
هدى شديد… سنة على الغياب الذي لم يغب
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده
1148463 1148463 1148463 1148463 1148463 1148463
<
>

 

 

مرّت سنة… سنة كاملة وكأنها البارحة.
كيف يمكن لغياب أن يبقى طاغياً إلى هذه الدرجة؟ وكيف يمكن للذاكرة أن تظلّ حيّة إلى هذا الحد، كأن الزمن لم يمضِ، وكأن الصوت الذي كان يملأ المكان لا يزال يتردّد بين الجدران والوجوه؟
بالأمس، في القداس الذي أُقيم لراحة نفس الإعلامية الراحلة هدى شديد، عاد كل شيء دفعة واحدة. حين صدح صوت الفنان نقولا الأسطا بتراتيل الإيمان، بدا وكأن الكلمات تعيد رسم ملامح امرأة كان الإيمان عنوان حياتها. عندها تذكّرت كم كان إيمان هدى عميقاً، وكم كانت قوية في مواجهة ما مرّ في حياتها من محطات قاسية.
لم تكن حياة هدى طريقاً سهلاً، عرفت وجع الفقد حين رحل زوجها وحبيبها، وعرفت أيضاً مرارة التهجير من بلدتها الأحب كفريا الزغرتاوية، ثم جاء المرض الخبيث، ذلك الامتحان القاسي الذي واجهته بشجاعة نادرة، قاومته مراراً وانتصرَت عليه أكثر من مرة، لكنها بقيت تقاتل حتى الرمق الأخير، وكأنها كانت مصمّمة أن تترك خلفها درساً في الصبر والإيمان.
بالأمس أيضاً، عادت الذاكرة إلى تلك الأيام الجميلة في المهنة، إلى الطرقات التي كنا نسلكها بسرعة جنونية نحو الصرح البطريركي الصيفي في الديمان لتغطية خبر عاجل، وإلى الطاولة الكبيرة في غرفة التحرير في إذاعة وتلفزيون لبنان الحر الموحّد من إهدن، حيث منها انطلقنا الى رحاب الاعلام الواسع، كيف كنا نركض وراء الخبر والمعلومة المنافسة بيننا على الخبر.
كنا نختلف، نتسابق، نثرثر، نضحك… ثم تمضي الأيام وتفرّقنا انشغالات الحياة.
لكن هدى بقيت كما هي: وفية.
وفية لصداقاتها كما كانت وفية لمهنتها، ووفية لعائلتها التي لمست في عيون أفرادها بالأمس أن الوجع لم يتقلّص مع مرور الوقت، بل كبر… لأن الغياب حين يكون كبيراً، لا يقاس بالسنوات بل بالفراغ الذي يتركه.
في كنيسة مار أنطونيوس الكبير في بيادر رشعين، جلسنا في حضرة صورتها. تراتيل، صلاة، حضور لافت ومحبة كبيرة. كان المشهد أشبه بلقاء وفاء لامرأة طبعت حياتها المهنية والإنسانية في قلوب كثيرين.
الريسيتال الجميل جداً الذي أحياه الفنان نقولا الأسطا أعقبه قداس احتفالي ترأسه راعي أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف، بحضور ممثل رئيس الجمهورية جوزيف عون المستشار الإعلامي في القصر الجمهوري الأستاذ رفيق شلالا، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للإرسال الشيخ بيار الضاهر، إلى جانب حشد كبير من الأصدقاء والمحبين من إعلاميين وسياسيين وأمنيين ونقابيين، إضافة إلى رؤساء بلديات وفعاليات اجتماعية.
المطران في كلمته تحدث عن هدى في مهنتها وفي حياتها وعن ايمانها وكتابها “ليس بالدواء وحده يحيا الانسان”، معزياً لبنان وعائلتها الاعلامية وافراد عائلتها الصغيرة بفقدان قامة اعلامية موضوعية.
كان الحضور كبيراً… لكن الغائبة كانت أكبر.
قبل سنتين قالت لي هدى عبارة بقيت عالقة في الذاكرة:
“الدنيا مجد باطل.”
ربما كانت تدرك، بعمق إيمانها، أن ما يبقى في النهاية ليس الأضواء ولا العناوين، بل الأثر الذي يتركه الإنسان في قلوب الآخرين.
سنة مرّت… لكن هدى لم تغب.
فبعض الأشخاص لا يرحلون تماماً، بل يتحولون إلى ذكرى دافئة، وصوتٍ خافتٍ يرافقنا كلما مررنا بالأماكن التي جمعتنا بهم.
فلروحها السلام.

 

 

 

*الصور بعدسة منال دحدح