Beirut weather 22.99 ° C
تاريخ النشر March 14, 2026
A A A
تحطّم المصداقية العدوانية.. كيف انقلب ميزان السردية في الحرب على لبنان؟
الكاتب: عباس المعلم

كتب عباس المعلم في البناء 

 

 

في الحروب الحديثة لا يُقاس ميزان القوة فقط بما يجري في ميدان النار، بل بما يتشكّل في العقول من انطباعات عن القدرة والهيبة والاختراق. فالصراع المعاصر لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبح أيضاً صراع سرديات وصور ذهنية، تسعى فيه الأطراف إلى تثبيت رواية التفوق قبل تثبيت نتائجه على الأرض. ومن هنا تغدو الحرب معركة مركبة بين الوقائع وما يُراد للعالم أن يصدّقه عنها. وفي هذا السياق يمكن قراءة التحوّلات التي رافقت المواجهة بين العدو الإسرائيلي والمقاومة في لبنان منذ حرب أيلول 2024 وصولاً إلى الحرب الحالية.

في حرب أيلول عام 2024 على لبنان، استطاع العدو الإسرائيلي أن يحقق ضربات نوعية وغير مسبوقة ضدّ المقاومة، وهو واقع لم يكن ممكناً إنكاره أو التقليل من دلالاته. فقد ظهرت آنذاك قدرة لافتة على سرعة التنفيذ ودقة اختيار الأهداف، مدعومة بتكامل واضح بين العمل الاستخباري والقدرة العملياتية على مختلف المستويات. وقد بلغ الأمر حدّ تشكّل ما يمكن وصفه بـ “المصداقية العدوانية” لدى العدو؛ أيّ تلك الصورة التي توحي بامتلاكه قدرة شبه مطلقة على الاختراق والتعقب والضرب. وهي صورة بدَت، للوهلة الأولى، متناقضة مع تاريخ هذا الكيان الذي قام منذ تأسيسه على صناعة الرواية المضللة، وتزييف الحقائق، وقلب التاريخ والجغرافيا لخدمة مشروعه السياسي.

وخلال خمسة عشر شهراً تلت حرب أيلول، وبعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والعدو حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لم يتوقف العدوان الإسرائيلي. فقد واصل العدو غاراته وعمليات الاغتيال، ونجح في نسبة كبيرة منها في استهداف عناصر وقيادات في حزب الله، الأمر الذي عزز الانطباع السائد آنذاك بأنّ العدو يتمتع بقدرة اختراق واسعة لكلّ ما يتصل بالمقاومة وبنيتها التنظيمية، وبأنه يمتلك تفوقاً استخبارياً يتيح له ملاحقة خصومه بدقة عالية.

غير أنّ هذه الصورة بدأت تتصدّع بصورة واضحة مع اندلاع الحرب الحالية. فمنذ الساعات الأولى، بدا أنّ العدو يراكم الإخفاق تلو الآخر في تعقب عناصر وقادة حزب الله أو تحديد مواقعهم ومقارهم المحتملة. وفي المقابل، شرعت المقاومة في تنفيذ هجمات متدرّجة ومتناسقة شملت إطلاق الصواريخ والمقذوفات والطائرات المُسيّرة، إلى جانب الانخراط في مواجهات برية محدودة باستخدام قوات المشاة والأسلحة المضادة، فضلاً عن إعادة تفعيل منظومات الدفاع الجوي في مواجهة المُسيّرات المعادية.

ولم يقتصر الأمر على البعد الميداني فحسب، بل ترافق مع نشاط واضح في مجالات الاستخبارات العسكرية والجمع الحربي والحرب السيبرانية، بما عكس مستوى أعلى من التكامل العملياتي في إدارة الصراع. وقد جاءت هذه التطورات مفاجئة لكثير من المراقبين قبل أن تكون صادمة للعدو نفسه، إذ بدّدت سريعاً الصورة التي ترسّخت خلال الأشهر السابقة عن قدرة إسرائيلية مطلقة على الاختراق والسيطرة.

وأمام هذا العجز المتزايد عن تحقيق إنجازات عسكرية وأمنية حقيقية ضدّ البنية القتالية للمقاومة، اتجه جيش الاحتلال إلى تعويض إخفاقه عبر استهداف المباني المدنية والمدنيين العزّل ممن لا تربطهم أيّ صلة بطابع عسكري أو أمني. وتشير بعض المعطيات إلى أنّ نحو سبعين في المئة من المباني التي يجري استهدافها في الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب تُعدّ أهدافاً “محروقة” استخبارياً، أيّ أنّ الحزب لا يستخدمها فعلياً؛ فبعضها أُخلي منذ سنوات، فيما يُقصف بعضها الآخر اعتماداً على بنك أهداف قديم لم يعد يعكس الواقع العملياتي القائم.

وعليه، يمكن القول إنّ حجم التدمير الواسع وعمليات المسح التي ينفذها العدو في الضاحية والجنوب والبقاع لا تعبّر عن إنجاز عسكري بقدر ما تعكس مأزقاً استخبارياً عميقاً. فحين يعجز الجيش عن إصابة الهدف العسكري الحقيقي، يتحوّل إلى ضرب البيئة المدنية بوصفها بديلاً نفسياً وسياسياً لتعويض الفشل.

إنّ استهداف المدنيين وارتكاب المجازر ومسح الأحياء ليس دليلاً على تفوق ميداني، بل علامة على اختلال ميزان المعرفة في ساحة الحرب؛ إذ إنّ الحروب الحديثة تُحسم أولاً بامتلاك المعلومة الصحيحة، وعندما يفقد العدو هذه القدرة يتحول عنفه إلى فعل أعمى.

ومن هنا يمكن فهم حالة الارتباك والغضب لدى قادة العدو الذين أمضوا أكثر من عام ونصف العام في التباهي بأنّ حزب الله انتهى عسكرياً وأصبح قوة منهكة. غير أنّ تطورات الميدان أعادت رسم المشهد بصورة مغايرة، فجاءت الردود العملياتية للمقاومة كصدمة استراتيجية أطاحت بتلك السردية، ووضعت قادة الاحتلال أمام واقع يناقض تماماً ما روّجوا له طويلاً. ففي الحروب، كثيراً ما تكون الصدمة المعنوية أخطر من الخسارة الميدانية، لأنها تكشف حدود القوة الحقيقية وتسقط وهم التفوق الذي بُنيَ على الدعاية أكثر مما بُني على الوقائع…