Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر March 14, 2026
A A A
منشورات التحريض فوق بيروت: محاولة لتعويض العجز الميداني
الكاتب: حسن حردان - البناء

يبدو من الواضح أنّ كيان الاحتلال الإسرائيلي انتقل الى شنّ الحرب النفسية لإرهاب المواطنين ومحاولة النيل من معنوياتهم ودفعهم الى التخلي عن مقاومتهم، ومساعدته على معرفة أماكن تواجد كوادرها، بعدما بات يعاني من العمى الاستخباري ونقص كبير في المعلومات، وعجز عن تحقيق إنجاز في الميدان، فلجأ الى إلقاء المنشورات فوق العاصمة بيروت، تحرّض اللبنانيين على مقاومتهم، وتدعوهم للتعاون مع أجهزة الأمن الصهيونية.

هذا التطور يضعنا أمام مرحلة جديدة من تصعيد” الضغط النفسي” الذي يعكس مأزقاً ميدانياً لدى الاحتلال الإسرائيلي نتيجة المقاومة الضارية التي تواجه قواته في القرى الأمامية المتاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة.

فما هي أبعاد هذه الخطوة ودلالات توقيتها:

أولاً: دلالات حرب المنشورات فوق بيروت

إنّ لجوء العدو الاسرائيلي لإلقاء منشورات ورقية في عصر “الإعلام الرقمي” والحروب السيبرانية يحمل رسائل رمزية وميدانية محددة هي:

1 ـ ترهيب المواطنين عبر وصول الطيران الإسرائيلي لرمي منشورات فوق العاصمة (وليس فقط مناطق التماس) هو محاولة لترهيب البيئة الحاضنة والجمهور اللبناني العام، لإشعاره بأنّ “العمق” ليس بمأمن.

2 ـ الاعتراف بالعجز الميداني: غالباً ما تلجأ الجيوش المحتلة الى استخدام سياسة التحريض الشعبي عندما تفشل في تحقيق أهدافها العسكرية المباشرة ضدّ المقاومة.. في محاولة لخلق “شرخ اجتماعي” وتحميل المقاومة مسؤولية التبعات الاقتصادية والأمنية.

3 ـ استنساخ تجارب فاشلة: تاريخياً، لم تؤدِّ المنشورات التحريضية في لبنان (سواء في 1982 أو 2006) إلى تغيير قناعات الجمهور، بل غالباً ما تؤدي إلى “ردّ فعل عكسي” يعزز الالتفاف حول خيار الصمود والمقاومة.

ثانياً: أهداف التحريض الإسرائيلي،

تسعى “إسرائيل” من خلال هذه الخطوة إلى ضرب “الجبهة الداخلية” عبر مسارين:

المسار النفسي: زرع القلق والخوف بين المواطنين لدفعهم نحو الضغط على القوى السياسية للمطالبة بالتوقف عن المقاومة مهما كان الثمن الناتج عن ذلك.

المسار السياسي: استثمار الانقسام الداخلي اللبناني وتحريض الأطراف المعارضة للمقاومة لاتخاذ مواقف أكثر حدة، مما قد يؤدي إلى توترات داخلية تشتت انتباه المقاومة عن الجبهة الحدودية.

ثالثاً: رسالة الصمود الشعبي،

إنّ التلازم بين الوعي والصمود الشعبي والمقاومة في الميدان هو الذي يحبط أهداف العدو من “التحريض” في بيروت، ما يؤدّي الى فشل الرهان على السقوط الداخلي في فخ الفتنة الاسرائيلية. فكما فشل الرهان على إحداث تغيير في نظام الحكم في إيران عبر اغتيال القادة والضغوط، ستدرك “إسرائيل” أنّ البيئة المقاومة في لبنان تمتلك “مناعة صلبة” تراكمت عبر عقود.

انطلاقاً مما تقدّم فإنّ رمي المنشورات فوق بيروت هو “سلاح الضعيف” الذي يبحث عن انتصار معنوي لتعويض خسائره في حرب الاستنزاف في الجنوب. المنطق التاريخي في لبنان يثبت أنّ مثل هذه التحركات تزيد من قناعة الجمهور بأنّ العدو غير قادر على المواجهة العسكرية المباشرة، فيلجأ لأساليب الحرب النفسية التقليدية…