Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر March 13, 2026
A A A
لبنان بين نار الحرب وشرور الفتنة!
الكاتب: نادين سلام - اللواء

في وقتٍ تتصاعد فيه وتيرة التصعيد العسكري الإسرائيلي على لبنان، الممتد من الجنوب نحو البقاع وبعلبك وصولًا إلى عمق بيروت الإدارية، عبر استهدافات تطال كوادر حزبية وأخرى تنتمي إلى الحرس الثوري، والتي تقود العمليات في تنسيقٍ تام مع الجبهة الإيرانية، يتصاعد التوتر الداخلي في لبنان.

 

وفي هذا السياق، يحرص الحزب على توجيه رسائل دولية تؤكد مساندته للنظام الإيراني في معركته مع الولايات المتحدة وإسرائيل حتى النهاية، كما يعمل داخليًا على تأليب بيئته ضد الشرعية، وتخوين السلطة السياسية، والتلويح بالحرب الأهلية في حال تحرك الجيش لتنفيذ قرارات الدولة اللبنانية ووضع حدٍ لنشاط الحزب العسكري الذي فقد الغطاء الرسمي الذي تمتع به لعقود طويلة.

وفي هذا المشهد الإقليمي الملتهب، حيث امتدت نيران الصراع الأميركي – الإسرائيلي مع إيران إلى دول الخليج، تمارس طهران ضغوطًا على أكثر من جبهة لتحسين شروطها في أي مفاوضات محتملة عندما يحين الوقت. فإلى جانب العمل العسكري، تطلق غالبية صواريخها باتجاه دول الجوار بشكل عشوائي، بحجة استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، في خطابٍ يحمل ازدواجية غير مسبوقة. فهي من جهة تعتذر وتؤكد حرصها على العلاقات مع دول الجوار، ومن جهة أخرى تكثف قصفها لأهداف مدنية بدلًا من أن يتركز على الجبهة الإسرائيلية.

 

ويبقى إقفال مضيق هرمز أداة ضغط أساسية لما له من تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي، وما يسببه ارتفاع أسعار المحروقات من انعكاسات على مختلف الدول. ويأتي ذلك ضمن خطة تهدف إلى استنزاف الدعم المعنوي الذي حظيت به الولايات المتحدة وإسرائيل في بداية هذه الحرب، خصوصًا أن الاستنزاف العسكري بينها وبين خصومها غير متكافئ.

أما فتح الجبهة اللبنانية انتقامًا لمقتل المرشد، بالتزامن مع الجبهة الإيرانية، ومع ازدياد وتيرة إطلاق صواريخ حزب الله من مختلف مناطق الجنوب مقابل تراجع الوتيرة في إيران، فينذر بتحويل لبنان، بمفهومه الوجودي، إلى أداة لتخفيف الضغط عن طهران وورقة إضافية لتحسين شروطها التفاوضية، بغض النظر عن الثمن الذي سيدفعه وطن الأرز دولةً وشعبًا، ولا سيما البيئة المؤيدة لإيران.

 

وفي وقت يحرص فيه الحزب على تجريد الدولة من مصداقيتها أمام المجتمع الدولي وإظهار عجزها عن تنفيذ التزاماتها، جاءت قرارات مجلس الوزراء باعتبار العمل العسكري للحزب خارجًا عن القانون، ومطالبة القوى العسكرية بإيقاف كل من يتورط في تهديد أمن لبنان واستقراره. وقد شكّلت هذه الخطوة مؤشرًا واضحًا على تصميم رئيس الحكومة وفريقه الوزاري على تحييد المدنيين والبنى التحتية من آلة الدمار الإسرائيلية، ضمن إجماع وزاري لافت على قرار بهذه الحساسية، شمل وزراء حركة أمل، في دلالة على خيبة أمل الرئيس نبيه بري وسائر القوى السياسية من خرق الحزب للضمانات التي كان قد قدمها سابقًا بعدم الانخراط في حرب إسناد جديدة.

 

وهنا يُعوَّل على دور رئيس مجلس النواب في دعم مبادرة رئيس الجمهورية لتقديم الحلول الدبلوماسية على الخيار العسكري، خاصة أن العدو أعلن صراحة نيته عدم التوقف حتى إزالة التهديد العسكري الذي يشكله الحزب على أمن مستوطناته مهما بلغت الكلفة.

أمام هذه التحديات الوجودية التي تواجه لبنان الكيان والصيغة، لا بد من إجماع لبناني عابر للطوائف لإيقاف مسار الانتحار الذي ألقى حزب الله نفسه فيه، آخذًا معه دولةً وشعبًا رغم إرادتهما. كما لا بد من دور فاعل للرئيس بري، المعروف بحرصه على اللحمة الوطنية، لاحتواء الفتنة التي يُلوّح بها الحزب، وأنها قد تدفع البلاد نحو حرب أهلية إذا التزم الجيش بتنفيذ قرارات السلطة السياسية.

 

إن هذه القرارات لا تمثل مطالب طائفة أو حزب، ولا تأتي في سياق كيدية سياسية، بل تشكل الأمل الأخير لشعبٍ أنهكته الصراعات الخارجية التي تُصفّى حساباتها على أرضه بدماء شبابه وأرزاق أهله، قبل أن تتحول نيران الحرب بلبنان إلى نسخة أخرى من غزة، فيصبح ورقةً محروقة حتى في حسابات حلفائه.

لقد حذر ابن خلدون من الفتنة بقوله ««الفتنة إذا وقعت عجز الحكماء عن إطفائها.»

فهل ينجح الحكماء من اطفائها و هل من عقلاء يتحلون بحس المسؤولية الوطنية ليستمعوا؟