Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر March 13, 2026
A A A
«العصف المأكول»: قدرات المقاومة تصدم الكيان وتعيد إنتاج مأزقه
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

أحدث إطلاق المقاومة الإسلامية (220 صاروخاً) الليلة قبل الماضية، في سياق إعلانها بدء عمليات «العصف المأكول» مستهدفةً عمق الشمال والقواعد الاستراتيجية للعدو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أحدث صدمة في أوساط المسؤولين الإسرائيليين والاستخبارات والمحللين والرأي العام في كيان الاحتلال، والتي أقرّت بفشل تقديراتها حول تآكل قدرات المقاومة…

وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أنه «رغم مرور عامين، كان هناك استخفاف بالمعلومات الاستخبارية المتعلّقة بحزب الله وتحليلها»، وأضافت أنّ «خلايا حرب العصابات، التابعة لقوة الرضوان ووحدات أخرى في حزب الله، نجحت في التمركز في جنوب الليطاني وهي مُزوّدة بوسائل قتالية، أو تمكّنت من الوصول إلى مخابئ تحتوي على صواريخ مضادّة للدروع، وقذائف هاون، وكذلك صواريخ، رغم أكثر من عام من الغارات الجوية»، لافتة إلى أنّ «بعض القدرات التي قدّر الجيش الإسرائيلي أنّ قوات الرضوان فقدتها، تبيّن أنها لا تزال قائمة”.

والأسئلة التي تُطرح في ضوء ذلك هي :

ما هي دلالات هذا التطور؟

وما هي تداعياته على مسار الحرب وقدرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على تحقيق أهدافه في حال قرّر الذهاب الى تنفيذ مخططه باجتياح جنوب لبنان لفرض إقامة منطقة أمنية خالية من السكان؟

وما هي احتمالات مواجهته مقاومة ضارية توقع به خسائر فادحة وتحبط أهدافه، على غرار ما حصل في حرب 2006.

يمثل هذا التطور الميداني الذي نقلته التقارير العبرية نقطة تحوّل جوهرية تكسر السردية الإسرائيلية التي روّجت لنجاحها في “تقليص” قدرات حزب الله الصاروخية. إنّ إطلاق 100 صاروخ في دقائق معدودة ليس مجرد استعراض قوة، بل هو رسالة عملياتية مدروسة بعناية.

أولاً: على صعيد الدلالات الاستراتيجية:

فشل الاستخبارات الإسرائيلية التراكمي: اعتراف القناة 12 بـ”الاستخفاف بالمعلومات” يعني أنّ إسرائيل كانت تقاتل بناءً على تقديرات مضللة. هذا يذكرنا بـ “العمى الاستخباري” الذي سبق حرب أكتوبر 1973، وتكرّر خلال حرب 2006 حيث بُنيت خطط الدفاع والهجوم على فرضيات خاطئة حول قدرات الطرف الآخر.

مرونة القيادة والسيطرة: القدرة على تنسيق إطلاق كثيف بهذا الحجم تؤكد أنّ البنية التنظيمية للمقاومة لم تتأثر بالاغتيالات أو الغارات الجوية، وأنّ منظومة الاتصالات وتمرير الأوامر من القيادة إلى الوحدات الميدانية لا تزال فعّالة.

فشل استراتيجية “جزّ العشب”: أثبتت هذه الرشقات الصاروخية الكثيفة أنّ الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مخازن السلاح على مدار عام لم تلامس “الكتلة الصلبة” من ترسانة المقاومة، خاصة المنصات المخفية والوحدات الصاروخية التكتيكية.

ثانياً: على صعيد التداعيات واحتمال الاجتياح البري،

إذا قرّرت حكومة العدو الذهاب نحو اجتياح جنوب لبنان مجدّداً لفرض “منطقة عازلة”، ستواجه التحديات التالية:

فخ “قوة الرضوان” وحرب العصابات: عودة انتشار قوات الرضوان في جنوب الليطاني وتزوّدها بصواريخ مضادة للدروع (مثل الكورنيت المتطور) يعني أنّ أيّ تقدّم للدبابات الإسرائيلية سيكون بمثابة مجزرة بالنسبة لها تفوق ما حدث في وادي الحجير عام 2006.

الاستنزاف في العمق: الكثافة الصاروخية تضمن للمقاومة قدرة على ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بالتزامن مع التصدي للقوات البرية، مما يضع الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط شعبي هائل لا يمكن تحمله لفترة طويلة.

الطبيعة الجغرافية والمعقدة: من المعروف انّ جنوب لبنان عبارة عن تضاريس وعرة محصنة طبيعياً وبشرياً (أنفاق، مخابئ مخفية)، مما يجعل السيطرة الجغرافية في ظلّ مقاومة متمرّسة ومجهّزة بقدرات فعّالة أمراً صعباً اذا لم يكن مستحيلاً، دون دفع ثمن بشري وعسكري باهظ الكلفة.

ثالثاً: على صعيد احتمالات المواجهة والنتائج المتوقعة،

بناءً على المعطيات الحالية، يمكن تلخيص المسار المتوقع مقارنة بحرب 2006 كالتالي:

1 ـ تستخدم المقاومة حالياً صواريخ دقيقة قادرة على ضرب العمق الصهيوني، ولديها مُسيّرات انتحارية وكثافة نارية هائلة.. في حين كانت عام 2006 تستخدم صواريخ متوسطة وقصيرة المدى.

2 ـ اصطدمت قوات الاحتلال منذ الآن بقدرة المقاومة المتطورة على التمويه والتعمية، الى جانب استفادتها من دروس عدوان 2024 وسدّ الثغرات واللجوء الى السرية… في حين كانت “إسرائيل” في عام تعتمد 2006 على التفوق الجوي.

3 ـ تملك المقاومة حالياً القدرة على شلّ كلّ الشمال الفلسطيني المحتلّ، وإحداث تهجير واسع للمستوطنين، مع قدرة كبيرة على ضرب العمق الصهيوني في غوش دان.. بينما كانت ضرباتها الصاروخية في عام 2006 مقتصرة على قصف المستوطنات الشمالية وصولاً الى مدينة حيفا، مع إحداث نزوح جزئي للمستوطنين عن مستوطناتهم القريبة من الحدود…

من هنا فإنّ لجوء “إسرائيل” للتهديد بضرب البنى التحتية للدولة اللبنانية، وارتكاب مجزرة ضد النازحين في كورنيش الرملة البيضاء، وتهجير منطقة قضاء الزهراني، وإقدامها على قصف مستودعاً وشقة للقرض الحسن خاليين في بيروت، هو اعتراف ضمني بالعجز عن حسم المعركة عسكرياً مع المقاومة في الميدان، فتحاول الضغط عبر “عقيدة الضاحية” (الدمار الشامل) لإرهاب المدنيين والضغط على البيئة الشعبية الحاضنة للمقاومة وعلى الدولة اللبنانية.

لهذا يمكن القول انّ “إسرائيل” الآن في مأزق “الاستنزاف المتبادل”؛ فالبقاء على الوضع الحالي يعني إخلاء الشمال إلى أجل غير مسمّى، والذهاب إلى حرب شاملة يعني الدخول في نفق مظلم لا تضمن الخروج منه دون خسائر استراتيجية ونجاح المقاومة في إعادة فرض معادلة الردع التي تفلت منها على مدى الأشهر الماضية، مما قد يغيّر وجه المنطقة، وتبديد أحلام نتنياهو في فرض هيمنته على لبنان…