Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر March 10, 2026
A A A
الفوسفور الابيض يهدد مستقبل الزراعة في الجنوب.. “التعافي المستحيل”؟
الكاتب: شانتال عاصي - الديار

بينما تتجه الأنظار عادةً نحو الأرقام السياسية وحصيلة الضحايا، تشن الحرب في جنوب لبنان وجهاً آخر لا يقل ضراوة، وهو “الإرهاب البيئي” الذي يترك بصماته السوداء في التربة، والهواء، وأجساد البشر. في بلدة “يحمر” الجنوبية، لم تكن النيران مجرد وميض عابر، بل كانت قذائف الفوسفور الأبيض التي تحمل معها دماراً يمتد لأجيال، محولةً المساحات الخضراء إلى أراضٍ محروقة ومهددةً صحة الإنسان بسموم لا ترحم.

التبعات الصحية القاتلة

أثارت التقارير الأخيرة عن استخدام الجيش الإسرائيلي مادة الفوسفور الأبيض الحارقة في هجمات على بلدة يُحمر جنوب لبنان، قلقًا شديدًا على الصحة العامة والبيئة في المنطقة. هذه المادة، التي تُستخدم عادة لإنشاء ستار دخاني أو إنارة ساحات المعارك، تتحوّل عند انفجارها إلى سلاح شديد الخطورة قادر على تدمير الحياة البرية والنباتية والبشرية على حد سواء.

تسبب مادة الفوسفور الأبيض حروقًا قاتلة عند ملامستها الجلد مباشرة، كما يمكن أن تؤدي إلى فشل في الجهاز التنفسي، تلف الأعضاء الحيوية، وأحيانًا الموت. ووفقًا لتقارير حقوقية، تعرض سكان يُحمر لحروق شديدة في الجلد، فيما تعامل الدفاع المدني مع حرائق في المنازل والسيارات بسبب انفجار الفوسفور في الجو.

كما أن استنشاق الدخان الناتج عن الفوسفور الأبيض يهدد الجهاز التنفسي، ويزيد من خطر الإصابة بأمراض الرئة المزمنة والتسمم الكيميائي، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن. هذه الآثار الصحية قد تترك إصابات مدى الحياة وتفاقم معاناة المدنيين.

الأضرار البيئية والتربة والزراعة

يؤدي استخدام الفوسفور الأبيض إلى حرق الغطاء النباتي وتدمير المحاصيل الزراعية، كما يرفع من حمضية التربة وتلوثها بالمواد الكيميائية، مما يقلل خصوبتها ويهدد الأمن الغذائي المحلي. تشير التقارير إلى أن مستويات التركيز الكيميائي في بعض المناطق تجاوزت 20-30 ضعف النسبة الطبيعية، وهو ما قد يؤدي إلى تلوث المياه الجوفية والسطحية، ويشكل خطرًا على الحياة البرية والتنوع البيولوجي المحلي.

كما أن الحرائق الناتجة عن الانفجارات الكيميائية تدمر مواطن الحيوانات الصغيرة، وتؤثر على السلسلة الغذائية، ما يخل بتوازن النظام البيئي في جنوب لبنان ويطيل فترة التعافي البيئي لسنوات عديدة بعد انتهاء النزاعات.

هذا ولا يتوقف أثر الفوسفور الأبيض عند احتراق الطبقة الخارجية للنبات، بل يمتد ليحدث تغييرات بنيوية في خصائص التربة. عندما تخترق جزيئات الفوسفور المسام الأرضية، فإنها ترفع من درجة الحموضة بشكل حاد، مما يؤدي إلى “تسمم معدني” يمنع الجذور من امتصاص المغذيات الأساسية مثل النيتروجين والبوتاسيوم. هذا الارتفاع الهائل في التركيز الكيميائي (الذي وصل إلى 30 ضعف المعدل الطبيعي) يعني أن التربة لم تعد مجرد وسط ملوث، بل أصبحت وسطاً “عقيماً” كيميائياً يقتل البكتيريا النافعة والفطريات التي تشكل أساس الخصوبة الزراعية.

في مناطق مثل “يحمر” والخيام، يمثل الزيتون والمحاصيل الحقلية العمود الفقري للاقتصاد المحلي. إن استخدام الفوسفور والمبيدات الكيميائية مثل “الغليفوسات” بتركيزات غير مسبوقة يؤدي إلى ظاهرة “التراكم الحيوي”، حيث تمتص النباتات الناجية سموم الفوسفور وتخزنها في ثمارها وأوراقها، مما ينقل الخطر مباشرة إلى مائدة الإنسان. هذا التلوث يجعل المحاصيل غير قابلة للتصدير أو الاستهلاك المحلي، مما يضرب الأمن الغذائي في مقتل ويحول المزارعين من منتجين إلى نازحين اقتصادياً.

تلوث الموارد المائية والتنوع البيولوجي

تشكل الهجمات الكيميائية باستخدام الفوسفور الأبيض تهديدًا هيدرولوجيًا طويل الأمد للمنطقة، إذ إن المواد الكيميائية المترسبة على سطح الأرض سرعان ما تجرفها مياه الأمطار إلى الأودية والمجاري المائية، وصولًا إلى المياه الجوفية والينابيع الطبيعية. هذا التسرب الكيميائي يرفع مستوى السموم في مصادر المياه التي تعتمد عليها القرى الجنوبية للشرب والري، ما يزيد من خطر التسمم البشري والحيواني ويهدد الأمن الغذائي المحلي على المدى الطويل.

على المستوى البيئي، يؤدي الحرق الكيميائي وتلوث التربة إلى تدمير الأوكار ومواطن الحيوانات الصغيرة مثل الزواحف والقوارض والطيور الأرضية، ما يخل بالهيكل الغذائي الطبيعي. غياب هذه الكائنات الحيوية يفتح المجال أمام انتشار الآفات الزراعية في المناطق المحيطة، ويؤدي إلى اختلال متسلسل في النظام البيئي المحلي يصعب السيطرة عليه، كما يضعف قدرة النظام البيئي على التعافي الطبيعي بعد الكوارث.

بالإضافة إلى ذلك، يهدد تلوث المياه والتربة التنوع البيولوجي في المجاري المائية والنباتات المحلية، إذ قد تختفي الأنواع الحساسة للتلوث الكيميائي، ويختل التوازن بين المفترسات والفريسة. هذا الانهيار البيئي المستمر يعرض المنطقة لأزمات بيئية متكررة، ويطيل فترة الاستعادة الطبيعية للمواطن الحية لسنوات، ما يجعل من الضروري تدخل جهات بيئية مختصة لمراقبة المياه، تطهير التربة، ومتابعة إعادة التأهيل البيئي للنظام الإيكولوجي المحلي.

“إبادة كربونية”

هذا وتتجاوز حرائق الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان حدود الدمار المادي لتتحول إلى كارثة مناخية مصغرة، فهذه المادة تشتعل في درجات حرارة هائلة تصل إلى 800°C، مما يؤدي إلى تفحم “بالوعات الكربون” الطبيعية من أشجار زيتون وسنديان معمرة وتحرير الكربون المخزن فيها فوراً إلى الغلاف الجوي.

هذا الاحتراق الكيميائي المستعر لا يكتفي بإطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون، بل يلوث الهواء بجسيمات دقيقة (PM2.5) وهباء جوي سام يخترق الرئتين، مسبباً تدهوراً حاداً في جودة الهواء المحلي.

وعلاوة على ذلك، يؤدي “الإجهاد الحراري” الناتج عن الانفجارات إلى تجفيف رطوبة التربة جزيئياً وتحويلها إلى طبقة صلبة عاجزة عن امتصاص مياه الأمطار، مما يسرع من وتيرة التصحر ويقضي على قدرة البيئة الجنوبية على التكيف مع التغيرات المناخية، محولاً المساحات الخضراء إلى بقع حرارية قاحلة تستغرق عقوداً للتعافي.

معضلة “التعافي المستحيل” لسنوات طويلة

إن ما يميز التلوث بالفوسفور الأبيض هو صمود بقاياه في التربة. ففي حال انغمار قطع الفوسفور في تربة طينية رطبة أو تحت الأنقاض، قد تظل كامنة لسنوات دون أن تتحلل، لتعود وتشتعل مجدداً عند أول عملية حرث للأرض أو تعرض للأكسجين. هذا يجعل من جنوب لبنان “منطقة خطر بيئي” حتى بعد صمت المدافع، حيث تتطلب عملية “الاستصلاح البيئي” تقنيات غسل تربة متطورة وعمليات مراقبة حيوية قد تستغرق عقوداً لإعادة الأرض إلى حالتها الطبيعية قبل الحرب.

أخيراً، إن ما يشهده جنوب لبنان اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو “إبادة بيئية” متكاملة الأركان تقتل الحاضر وتسمم المستقبل. فبينما قد تلتئم جروح الأجساد، تبقى “الندوب الكيميائية” في تربة “يُحمر” ومياهها شاهداً على دمار عابر للأجيال. إن إنقاذ ما تبقى من بيئة الجنوب يتطلب استجابة دولية فورية تتجاوز الإدانات السياسية لتصل إلى التطهير البيئي والمحاسبة القانونية، فالحروب تنتهي، لكن الأرض لا تفرط في حقها بالحياة!