Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر March 9, 2026
A A A
يرقصون على سطح التايتانيك… فيما لبنان يغرق
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

 

 

 

 

في بلد يترنّح تحت ثقل الأزمات، بدا المشهد في مجلس النواب اللبناني وكأنه فصل آخر من فصول الانفصال عن الواقع. فبينما يعيش اللبنانيون القلق اليومي من الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، انشغل النواب بسجال سياسي حاد حول تأجيل الانتخابات وتمديد ولاية المجلس، في مشهد ذكّر كثيرين بمن يرقص على سطح سفينة تغرق.

فقد أقرّت الهيئة العامة في المجلس تمديد ولاية المجلس لمدة سنتين، بأكثرية 76 صوتاً، مقابل معارضة 41 نائباً وامتناع أربعة نواب عن التصويت.

القرار بحد ذاته ليس جديداً في الحياة السياسية اللبنانية التي شهدت أكثر من تمديد لاكثر من استحقاق، لكن اللافت هذه المرة كان طبيعة السجالات التي رافقت النقاش، ولا سيما تلك التي اتخذت طابعاً مسيحياً واضحاً، حيث تحولت الجلسة إلى ما يشبه مزايدات سياسية بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية حيث بدا أن النقاش خرج أحياناً من إطار البحث الجدي في مسألة التمديد إلى مساحة تسجيل النقاط السياسية أمام الجمهور. فارتفعت النبرة، وتكاثرت المواقف المتشددة، وكأن الهدف لم يكن فقط التعبير عن موقف مبدئي، بل أيضاً استثمار اللحظة سياسياً.

اللافت في هذا السياق أن بعض النواب الذين رفعوا سقف الخطاب يدركون جيداً أن المشهد السياسي في لبنان يتغير بسرعة، وأن حضورهم في أي دورة نيابية مقبلة ليس أمراً مضموناً. ومع ذلك، بدا أن منطق المزايدة بقي حاضراً، ربما بهدف تثبيت موقع سياسي أو مخاطبة جمهور حزبي، أكثر مما هو محاولة حقيقية لمعالجة أزمة دستورية وسياسية معقدة.

ان المزايدات قد تحقق مكاسب إعلامية آنية، لكنها نادراً ما تقدم حلولاً حقيقية لبلد يقف على حافة أزمات متلاحقة.

في لحظة كان يُفترض أن تكون مكرّسة للبحث في كيفية حماية المؤسسات الدستورية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، بدا النقاش وكأنه يدور في عالم مواز، فبين الخطابات العالية النبرة والتجاذبات السياسية، غاب السؤال الأهم: ماذا عن البلد الذي ينهار؟ وماذا عن الناس الذين يعيشون تحت ضغط الحرب والتهجير والخوف من الغد؟

الواقع أن لبنان اليوم ليس في مرحلة سياسية عادية يمكن فيها التعامل مع الملفات الدستورية بمنطق تسجيل النقاط، حيث بدت السجالات داخل المجلس وكأنها تعيد إنتاج الانقسامات نفسها التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم. مزايدات متبادلة، واتهامات متكررة، وخطاب سياسي يلامس حدود الطائفية، في وقت يحتاج فيه لبنان أكثر من أي وقت مضى إلى قدر من التعقل والهدوء.

التشبيه بسفينة التايتانيك ليس مبالغة في نظر كثيرين. ففي تلك السفينة التي أصبحت رمزاً للكارثة، استمر بعض الركاب في الرقص بينما كانت المياه تتسلل إلى داخلها. واليوم، يشعر اللبنانيون أن بلدهم يعيش حالة مشابهة: الأزمات تتراكم، والخطر يقترب، فيما لا يزال بعض السياسيين يتصرفون وكأن الوقت متاح للمناورات السياسية.

التمديد للمجلس قد يكون بالنسبة للبعض ضرورة فرضتها الظروف الأمنية والسياسية، وقد يراه آخرون اعتداءً على الحياة الديمقراطية وحق الناس في اختيار ممثليهم. لكن ما هو مؤكد أن اللبنانيين كانوا ينتظرون من ممثليهم نقاشاً أكثر جدية ومسؤولية، لا سجالاً يذكّرهم مرة جديدة بأن الهوة بين السلطة والناس باتت أوسع من أي وقت مضى.

في النهاية، المشكلة ليست فقط في قرار التمديد أو في الأرقام التي حُسم بها التصويت، بل في الصورة التي خرجت إلى الرأي العام: بلد يواجه أخطر مراحله، فيما السياسة فيه لا تزال أسيرة الحسابات الضيقة والمزايدات التي لم تعد تقنع أحداً.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى خطابات عالية الصوت، بل إلى قدر من الحكمة السياسية. لأن السفينة، إن غرقت، لن ينجو أحد من ركابها.