Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر March 9, 2026
A A A
تأجيلُ الانتخابات بين السياسي والتقني: ترجمة لرغبة نيابية مقنّعة!؟
الكاتب: جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة

كتب جوزف القصيفي في الجمهورية

 

 

 

لم يكن التذرُّع بالأسباب القاهرة الناتجة من الحرب الدائرة رحاها على امتداد المنطقة، وليس آخرها الحرب الإسرائيلية على لبنان التي دخل فيها «حزب الله» طرفاً رئيساً، السبب المباشر والوحيد لتأجيل الانتخابات النيابية. حتماً الحرب جاءت «شحمة على فطيرة « بالنسبة لعدد كبير من الأحزاب والقوى السياسية التي كانت تهمس سراً عكس ما تُعلنه جهاراً. ولعلّ المضحك-المبكي، هو أنّ بعض المرشحين الطامحين من رجال المال والأعمال لتأسيس كتل نيابية بغرض ربط النزاع مع الاستحقاق الرئاسي بعد سنوات خمس، الذين طبّلوا وزمّروا وملأوا الدنيا تصريحات مدفوعة الأجر، كانوا أول مَن سفروا عن وجوههم، وكشفوا حقيقة ما يضمرون، فهرعوا إلى المطالبة بالتمديد للمجلس النيابي لسنتَين، علماً بأنّ الأموال الطائلة التي ينفقونها في الانتخابات هي عينها سواء جرت اليوم أو غداً.

 

إنّها الملهاة اللبنانية تتبدّى بألف زي وزي، فيما الشعب غافل أو متغافل، ومستسلم، مثلما استسلم لرفع سعر صحيفة البنزين في تدبير عشوائي لحل مشكلة فئة، فإذا النتيجة جاءت معاكسة، دفع ثمنها مَن سعوا إلى تحقيق مطالبهم العادلة، وكان شأنهم كشأن «المستجير من الرمضاء بالنار». والواضح أنّ اقتراح التمديد للمجلس النيابي كان قَيد المداولات في الأطر الضيّقة، قبل أن يتقدّم النائب أديب عبد المسيح باقتراحه. نائب الكورة لم يستحِ على الأقل من إعلان رأيه وقناعته، وكان الناطق العلني نيابةً عن عشرات النواب الذين يهمسون في سرّهم وكواليسهم بضرورة تأجيل الانتخابات النيابية أقله لسنة. وأيضاً الحكومة لم يُصِبها «عسر هضم». فهي أحبّت هذا الاقتراح، لأنّه يُمدِّد عمرها لسنتَين، يتعيّن على اللبنانيِّين تقبُّلها شاءوا أو أبوا. ولذلك، ستكون من الحكومات الأطول عمراً. والحقيقة، أنّ الحرب كانت: «توفيقة»، بل حجة مثالية للساعين إلى الهروب من الاستحقاق الانتخابي، للمطالبة بالتأجيل. وبمعزل عن الدخول في متاهة الجدل حول امتناع الحكومة عن إعداد المراسيم التنفيذية للدائرة الـ16 الخاصة بانتخاب المنتشرين، أو تقديم اقتراح بديل تُحيله إلى المجلس النيابي، وذلك لأسباب سياسية تتصل بطبيعة الصراع بين القوى والأحزاب والتيارات، فإنّ الأمور تتّجه إلى التمديد الذي لم يكن لـ«يُبلَع» لولا اشتداد الحرب في لبنان. والحقيقة، أنّ إرادة التأجيل وتمديد ولاية المجلس النيابي، كانت الشغل الشاغل لكتل برلمانية بعضها حزبية، والبعض الآخر يضمّ مزيجاً من النواب على قاعدة مناطقية أو مذهبية، وشكّلت الحرب فرصة ذهبية لها لتجاهر برأيها من دون استحياء أو مواربة.

 

 

 

الرئيس جوزاف عون كان الأكثر حرصاً على إجراء الانتخابات ولا يزال، كذلك الرئيس نبيه بري، فيما الرئيس نواف سلام كان متردِّداً في حسم موقفه، لأنّ حكومته لن تسير بالقانون النافذ، واستنجد بهيئة القضايا والتشريع التي جاء رأيها متطابقاً مع وجهة نظر الفريق المعارض لـ«الثنائي الشيعي»، والرافض للدائرة الـ 16 التي يتمسك بها الثنائي. كما «التيار الوطني الحر»، وعلى رغم من أنّ هذه «الفتوى» مهّدت للتمديد ولو أنّ رأي هيئة القضايا والتشريع غير ملزم، فإنّ ذريعة الحرب أقوى وأمتن، ويمكن الركون إليها من دون أن تلقى معارضة قاسية قادرة على قلب الطاولة وتغيير المشهد.

 

 

 

إنّ تمديد ولاية المجلس النيابي تعني:

 

 

 

– تمديد عمر هذه الحكومة وربط مصيرها بمصير الانتخابات، وتمكينها من إمرار ما تريد إمراره تحت عنوان «الإصلاحات»، والسَير بمشروع قانون الفجوة المالية الذي حوّلته إلى المجلس النيابي، والأخذ بتوصيات البنك الدولي، ولو كانت تحوطها غير علامة استفهام. ولا يُستبعَد أن يكون هناك تخادم بين الحكومة والكتل التي استماتت للتمديد، ومنها ما كان موقفها مفاجئا لأنّه عاكس أدبيّتها، وإنّ أحد النواب الذي يُسوِّق نفسه كمشرِّع حداثوي و«طوباوي» ومن غير الفاسدين وصاحب رؤية اقتصادية – صناعية مستقبلية، كان أكثر زملائه حماسة لتمديد طويل، ولا فرق لديه إذا كان لولاية كاملة.

 

 

 

– إنّ العدد الأكبر من النواب التغييريِّين ضمنوا بقاءهم في المجلس لنصف ولاية، بعدما كانت الاستطلاعات قد أجمعت أنّ لا حظوظ لهم بالنجاح هذه المرّة، وأنّ الأفضل لهم أن يوضّبوا حقائبهم ويعودوا إلى منازلهم وأعمالهم الخاصة. فهم لم يُقدِّموا أي إضافة تُذكَر.

 

– إنّ معارضي هذا الخيار من النواب سيكونون الأقلية، وإنّ أصوات مؤيّديه ستتجاوز حتماً الـ65 صوتاً.

 

 

 

وفي تقويم للمشهد السياسي العام في حال جدّد المجلس النيابي ولايته سنتَين، فإنّ عهد الرئيس عون سيكون هو المستهدف، خصوصاً أنّه استطاع إجراء الانتخابات البلدية في أحوال بالغة الدقة والصعوبة بُعَيد انتخابه، فيما يجد نفسه اليوم مضطراً للسَير في طرح غير مقتنع به، لأنّه لو تمّ التمديد بالصيغة المتداول بها، فإنّ إجراء الانتخابات سيتمّ قبل سنتَين من انتهاء ولايته الرئاسية، ممّا يعني تراجع قدرته على إحداث تغيير نوعي في ظل وجود مجلس يعاني ما يعاني من انقسامات وتجاذبات، وحكومة يسود الحذر بين أعضائها، وتقوم بين بعض أفرقائها «متاريس» تُبقي حال التوتر في أوجها، ما ينعكس على الاستقرار العام.

 

 

 

ثمة اتصالات تجري قبل جلسة اقتراح التمديد للوصول إلى صيغة وسط، تنطلق من أنّ هذا الخيار لا مفرّ منه بسبب الحرب، لكن يجب ربط أمد التمديد بانتهاء الحرب، أي أن يُدعى إلى الانتخابات النيابية بعد فترة وجيزة من وضع أوزارها وليس الانتظار لانقضاء مهلة السنتَين. ورئيس الجمهورية – على ما تقول المعلومات – يؤيّد تمديداً محدوداً، بعدما بدا أنّ إجراء الانتخابات متعذّر في أيار المقبل، وأنّه كان واضحاً لجهة إصراره على تضمين مشروع قانون التمديد للمجلس النيابي بنداً يُشير إلى إجرائها فور زوال الظرف الاستثنائي الذي حال دون إنجازها في موعدها الدستوري. وهناك اتصالات حثيثة للاتفاق على صيغة تقضي بتفاهم رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي على حلّ المجلس والدعوة إلى انتخابات نيابية فور انتهاء الأحوال الاستثنائية القاهرة. ومعالجة بعض الذيول التي يفترض معالجتها قبل الدعوة، التي لا تستغرق حيّزاً طويلاً من الوقت. لأنّ الرئيس عون لن يُسجِّل على نفسه وفي عهده عدم إنجاز الاستحقاق النيابي، وعدم انبثاق سلطة تشريعية جديدة، وهو بعد في مستهل ولايته التي لم تُكمل عامها الثاني.

 

 

 

بعض الكتل النيابية كـ«القوات اللبنانية»، و«اللقاء الديموقراطي»، تقديراً منهما لصعوبة المرحلة، طالبا بتمديد تقني، وهما لا يرفضان إجراء الانتخابات الآن وليس غداً. أمّا «التيار الوطني الحر»، فهو يرفض قطعاً التأجيل، وإذا كان من إرجاء تقني محدود في الزمان يقبل به شرط أن يُدرَج بوضوح في مشروع القانون الجاري درسه، وإلّا فلن يُصوِّت عليه، والأرجح أنّه لن يُصوِّت.

 

 

 

الكل يعرف فداحة الوضع الأمني، ويترقب التطوّرات الميدانية على الأرض، والنتائج السياسية المترتبة على ما يحصل، وقد يتسامح بتمديد يُمكِّن الدولة من إلتقاط الأنفاس في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان، لكنّ الحرص على احترام مواقيت الاستحقاقات الدستورية، يبدو أكثر إلحاحاً، لأنّ أحداث الماضي ندية في ذاكرة اللبنانيِّين عندما مُدّدت ولاية المجلس غير مرّة، وتعذّر انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومات جديدة لتحل محلّها حكومات تصريف الأعمال التي تولّت صلاحيات السلطة الإجرائية كاملة، وهي مستقيلة. فهل يكون مشروع التمديد سياسياً بمفعول تقني ينتهي بانتفاء أسبابه؟ يومٌ ونرى.