Beirut weather 14.65 ° C
تاريخ النشر March 8, 2026
A A A
حين يصبح وجع الوطن أكبر من الكلمات
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

في بعض الأيام، لا يحتاج الإنسان إلى خبر ليشعر بالوجع، يكفي أن ينظر حوله.
الوجع موجود في العيون، في الطرقات، في البيوت التي لم تعد تشبه نفسها.
بات القلق في لبنان اليوم شعوراً جماعياً، فهناك قلق كبير من استهدافات واستباحات الوطن براً وبحراً وجواً، قلق على بيوت من الاندثار، قلق على الارواح والممتلكات، قلق حول كيفية تدبير الامور اليومية وسط عدوان يطال كل شبر من الوطن بذريعة او من دونها.
في الجنوب هناك قلق يومي،
في الضاحية هناك خوف من ليلة تشبه الليالي السابقة،
وفي الشمال والبقاع عائلات تستقبل نازحين أو تفكر ماذا ستفعل لو وصل الخطر إلى أبوابها؟.
في كل مرة يُطلب من الناس الإخلاء، يتكرر المشهد ذاته: أبواب تُغلق على عجل، وحقائب تُحمل بلا ترتيب، وقلوب معلقة على أمل العودة.
وما يزيد هذا الوجع ثقلاً هو ما نشهده في الأيام الأخيرة من استهدافات بالجملة لمبان سكنية وفنادق وشقق في الضاحية وخارجها وكأن العربدة الاسرائيلية تريد تأكيد المؤكد: سنمحي البيوت والذكريات واصوات الاطفال وكل ما تطاله ايادينا.
اليوم، الارقام صادمة، ما يقارب مليون مواطن أصبحوا نازحين داخل بلدهم. مليون إنسان تركوا بيوتهم أو غادروها مؤقتاً بحثاً عن مكان أكثر أماناً، يحملون معهم قلقهم وذكرياتهم وأسئلتهم المفتوحة عن الغد.
وفي الجنوب، الصورة أكثر قسوة. قرى كاملة تغيّرت ملامحها، وضيع عاشت لعقود على إيقاع الحياة الهادئة سُوِّيت أجزاء كبيرة منها بالأرض. بيوت كانت عامرة صارت حجارة مبعثرة، وطرقات كانت تضج بالحياة باتت صامتة إلا من آثار الدمار.
وسط هذا المشهد القاتم، لا يزال هناك شيء واحد يرفض أن ينكسر: إنسانية الناس.
بيوت تُفتح ، عائلات تتقاسم ما لديها، وأصدقاء يطمئنون إلى بعضهم البعض.
هذه التفاصيل الصغيرة قد لا تغيّر الواقع، لكنها تمنع اليأس من أن ينتصر بالكامل.
ربما لا يملك المواطن العادي القدرة على تغيير مسار الأحداث الكبيرة، لكن ما يزال قادراً على شيء أهم: أن يبقى إنساناً في زمن القسوة.