Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر March 7, 2026
A A A
طريق مسدود أميركي وإسرائيلي
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

بعد إنكار أميركي لعدة أيام بوجود أزمة فعلية في سوق الطاقة بفعل السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز والحظر الواقعي المفروض على عبور ناقلات النفط والغاز، وإنكار وجود أزمة حقيقية في مخزون الذخائر الدقيقة التي تستخدمها الطائرات الحربية من مسافات بعيدة أو تلك التي تطلقها المدمرات والغواصات ومثلها ذخائر الدفاع الجوي من نوع باتريوت ونوع ثاد التي تشكل عماد التصدي الأميركي والإسرائيلي والخليجي للصواريخ والطائرات المسيرة التي تطلقها إيران والمقاومة اللبنانية، اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب والبيت الأبيض عملياً بوجود الأزمتين، وبدأ بالحديث عن حلول لهاتين الأزمتين، مطمئناً القلقين بأن الوضع تحت السيطرة، لكن فحص الحلول المعتمدة قد لا يؤدي إلى هذه النتيجة المعلنة بقدر ما يزيد من حجم القلق.

افتراض أن رفع الحظر عن المورد الروسي للنفط والغاز الذي تحدّث عنه وزير الخزانة الأميركية كخيار مطروح لمواجهة تحديات إقفال مضيق هرمز ينمّ عن سذاجة وجهل بأحوال السوق، حيث روسيا موجودة في السوق من حيث الكميات المتداولة والحظر تسبّب ببيع منتجاتها بأسعار أرخص، ورفع الحظر يحسّن سعر بيع النفط والغاز الروسيين لكنه لا يضيف كميات جديدة من النفط والغاز إلى الأسواق، ولذلك قبل العقوبات على روسيا وقبل حرب أوكرانيا كانت هناك دائماً معضلة هرمز مع كل فرضية حرب على إيران؛ أما استدعاء شركات تصنيع الذخائر الدقيقة والبحث معها في طرق زيادة الإنتاج فهو حركة هوليودية لأن الرئيس السابق جو بايدن سبق وتوصل مع هذه الشركات إلى عقود تستدعي العمل بطاقتها القصوى وهي تفعل ذلك منذ ذلك الحين في عام 2025 عندما وصل الأمر إلى حد الاختناق في توريد الذخائر لكل من أوكرانيا و”إسرائيل”، وطلب بايدن خطوط إنتاج جديدة ووقع عقوداً لشراء مسبق للإنتاج لخمس سنوات كشرط وضعته الشركات لاستثمار مبالغ ضخمة لخطوط إنتاج جديدة، كانت النتيجة أن الزيادة لن تتحقق قبل العام 2027، وإن أراد ترامب عقوداً جديدة لزيادة جديدة عليه أن ينتظر لتحقيق نتيجة حتى العام 2028، مع الانتباه إلى أن ما تنتجه شركات تصنيع صواريخ باتريوت سنوياً هو 1000 صاروخ ما يعادل استهلاك ثلاثة أيام من الحرب، بينما لا يزيد إنتاج صواريخ ثاد سنوياً عن 100 صاروخ وهو ما قد يتمّ استهلاكه في يوم واحد للتصدّي لثلاثين صاروخ فرط صوتي.

يفتقد الرئيس ترامب إلى استراتيجية خروج من الحرب، بعدما رسم لها وفق نصائح حليفه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أفقاً يستدعي النجاح بتفكيك النظام في إيران وفتح الطريق لإسقاطه، كما ورد في خطاب افتتاحي متشابه أدلى به كل من ترامب ونتنياهو مع بدء الحرب، بدعوة الإيرانيين للاستفادة من الفرصة التي يمثلها تدمير النظام وقتل رؤوسه وتفكيك مؤسساته للخروج إلى الشوارع والاستيلاء على مؤسساته، لكن هذا لم يحدث ولا يبدو أنه سوف يحدث، ولا يبدو أن لدى ترامب ونتنياهو الآن أملاً بحدوثه، وفيما نتنياهو غائب عن السياسة ويكتفي في إطلالاته المحدودة الحديث عن إنجازات عسكرية في ضرب القدرات الإيرانية دون رسم أفق سياسي للحرب، بدأ ترامب يتلعثم، مرة يقول إنه تلقى رسائل إيرانية للتفاوض ومرّة يقول إنهم لا يريدون التفاوض، ومرة يريد استبدال إسقاط النظام بفتح طريق أزمة حدودية لإيران عبر التواصل مع الجماعات الكردية المسلحة ومرة ينفي أن يكون مستعداً لخيار تسليح هذه الجماعات والعمل معها، وأخيراً يعود إلى شعار الاستسلام غير المشروط، ثم يوضح أن القصد هو تدمير قدرة إيران، بما يعني الانسحاب من الحرب والقول إن المهمة أُنجزت كما فعل في حرب حزيران العام الماضي وهو يعلم أن هذا فشل ذريع يمنح إيران فرصة إعلان النصر ويصيب “إسرائيل” بضربة مميتة.

على جبهة لبنان فوجئت “إسرائيل” بقرار حزب الله العودة إلى جبهات القتال البري والمنازلة النارية، كما اعترف قادتها أنّهم فوجئوا بتوقيت هذه العودة، وبحجم ما كشفته من قوة واقتدار واستعداد، بينما كانت “إسرائيل” تستعدّ لبدء حملة نارية وبرية على لبنان سعياً للتوصل إلى اتفاق يمنحها بعض الجغرافيا اللبنانية إضافة إلى حرية العمل في الأجواء اللبنانية وترتيبات أمنية أخرى، وجاءت وقائع الأيام الخمسة من حضور حزب الله في الميدان ترسم علامات استفهام كبرى حول قدرة “إسرائيل” الاحتفاظ بالنقاط التي سيطر عليها منذ وقف إطلاق النار الذي لم ينفذ الاحتلال منه أي بند، وكل الوقائع تقول إن القتال البري يجري بعكس ما ترغب “إسرائيل”، أما القدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وفعالية هذه القدرة لا يعوّضها القصف التدميري والوحشي لجيش الاحتلال في العمق اللبناني، بل يعقد مهمة الحكومة التي كانت مستعدة لرفع مستوى التفاوض والتمهيد لاتفاق يلبي ما ترغب به “إسرائيل”، وفقاً لما نقله الأميركيون، وهذا ما قاله الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لنتنياهو، كما نشر الإعلام الفرنسي.

سقطت مكتسبات التفاوض التي حققها ترامب قبل الحرب ولم تنجح الحرب ولا وصورة واضحة عن نهايتها، بعدما تجاوزت إيران عنق الزجاجة، كما سقطت مكتسبات ما بعد وقف النار التي حققها الإسرائيلي، وها هو حزب الله في جنوب الليطاني، كما تعقد مسار التفاوض الذي كان يبدو قريباً جداً، وقد خرج حزب الله من تحت الرماد كطائر الفينيق وهو يرسم مسارات لا مفرّ من أخذها على محمل الجد، والطريق المسدود أمام أميركا و”إسرائيل” هو الوصف الأنيق لاقتراب الهزيمة، باعتبار أن الهزيمة هي الفشل في تحقيق الأهداف.