Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر March 3, 2026
A A A
المنازلة بين استراتيجيات الحرب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

كي نفهم مسارات الحرب الكبرى التي يشهدها العالم وتقف فيها أميركا و”إسرائيل” في ضفة وتقف فيها إيران في الضفة المقابلة، يجب أن ننطلق من التسليم بأن أحجام الدول وقدراتها الاقتصادية والعسكرية لا تقرّر نتائجها، وقد صار واضحاً أنها حرب سوف تطول وسوف ترسم مع نهايتها صورة شرق أوسط جديد، وتكون لها بصمة واضحة على صورة العالم الجديد، ونخرج من نمطية الاستنتاج بأن النتيجة محسومة لصالح أميركا و”إسرائيل” بإسقاط إيران، وفتح الباب لفرضية أن صمود إيران الذي يشكل مفتاح انتصارها أمر قابل للحدوث، وأن استشراف مسار الحرب يحتاج إلى هدوء وتحرر من النمطية ومحاولة استكشاف الاستراتيجيات العسكرية التي تدور بينها المنازلة.

 

– يوماً بعد يوم، ونحن لا زلنا في اليوم الرابع من الحرب، تتبين صعوبة الرهان على ثورة إيرانية على النظام الإسلامي، خصوصاً بعدما تسبب اغتيال الإمام الخامنئي بإطلاق موجة شعبية غاضبة خرجت عفوياً إلى الشوارع بكثافة وقوة تمسكاً بالنظام الإسلامي وشكلت ردعاً موضوعياً لأي تحركات معارضة، بحيث يصبح أعلى ما يمكن توقعه هو أحداث أمنية موزعة جغرافياً مع أفضلية للمناطق الكردية لتشكيل أرضية حالة تمرد. وهذا يثير طبعاً حفيظة تركيا والعراق ويخلق بيئة إقليمية أقرب إلى إيران، والشيء نفسه بما يخص البلوش على حدود باكستان وأفغانستان، بالرغم من أن حالات التمرد لن تملك قدرة البقاء في اللحظة التي تتوقف فيها الحرب، بينما يبحث الأميركي عن إحداث تحول يبقى بعد نهاية الحرب ويستطيع البناء عليه والتعامل معه.

 

– تدور الحرب عملياً على معادلتين، مدة الحرب وكمية الصواريخ، يسعى الأميركي والإسرائيلي إلى إنهاك إيران بقوة الغارات وكثافتها لضرب قدرتها على الصمود، وتدمير مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد، لدفع إيران نحو الانهيار والفوضى وفقدان القدرة على مواصلة الحرب حتى لو تستسلم ولم يسقط النظام، ويحتاج الأميركي أن يحدث ذلك ضمن مهلة ما بين شهر وشهرين، حيث تنتهي المهلة الدستورية للعمل الحربي دون تفويض من الكونغرس بستين يوماً، وتُضاف إليها ثلاثون يوماً للانسحاب فقط، هذا عدا عن أن مهلة الستين يوماً هي الحد الأقصى للحد الأقصى الذي تطمح أميركا لجعل الاقتصاد العالمي قادراً على تحمله مع إقفال مضيق هرمز، ومهلة الستين يوماً هي الحد الأقصى للحد الأقصى لصمود كمية صواريخ الدفاع الجوي التي يملكها الأميركي في مخازنه ومستودعاته الخلفية ويزوّد بها حلفاءه، مع قدرات إيران على إطلاق الصواريخ، التي يشكل محور الحرب الأميركية الإسرائيلية تدمير مخازنها ومنصاتها لردم الفجوة بين امتلاك إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة أضعاف أضعاف ما لدى أميركا من صواريخ للدفاع الجوي.

 

– الاستراتيجية الإيرانية تبدو مبنية على الاستناد إلى حصانة مواقع تخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنصات إطلاقها، وضمان صمود المجتمع والدولة في ظل حجم التضحيات التي تنتج عن الحرب، والهدف تجاوز مدة الستين يوماً والإرادة صلبة والقيادة متعافية والصواريخ والطائرات المسيّرة الأشد حداثة جاهزة لدخول المعركة، وخلال هذه المدة التحكم بعاملين، الأول سوق الطاقة عبر الدفاع بقوة عن إغلاق مضيق هرمز ولو اقتضى الأمر إحراق عشرات ناقلات النفط، حتى يصل سعر برميل النفط إلى مئات الدولارات للبرميل، ويبدأ انهيار أسهم بورصات العالم، وإفلاس كبريات الشركات وتوقف الصناعة والاقتصاد ودورة الحياة في أغلب دول العالم.

 

– إطالة أمد الحرب كهدف للاستراتيجية الإيرانية تُضاف إلى أهداف لا تقل أهمية، أولها إلحاق أكبر أذى مادي وبشري بالأميركيين والإسرائيليين ومنشآتهم ومن ضمنها الأساطيل الأميركية والمنشآت الحيوية الإسرائيلية، لكن الأعظم منها يأتي لاحقاً، والثاني استنزاف الدفاعات الصاروخية التي تملكها أميركا وتزوّد بها قواتها و”إسرائيل” وحلفاءها، ومن ضمن ذلك أحد أهداف استهداف متواتر للقواعد الأميركية في دول الخليج باعتبار الدفاعات المتاحة لدول الخليج والجاري استخدامها هي جزء من هذه الأصول الأميركية المطلوب استنفادها، وصولاً للحظة تكون إيران لا تزال قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة ولا يكون لدى أميركا وإسرائيل والحلفاء ما يكفي من الدفاعات الصاروخيّة لمواصلة الحرب.

 

– سعر برميل النفط 150 دولاراً واستهلاك أكثر من نصف المخزون من الدفاعات الجوية بينما مخزون إيران الصاروخي لا يزال قادراً على فعل اللازم لزمن طويل قادم، يعني أن نصف الحرب قد صار وراءنا، وأن النصف الثاني سوف يصير وراءنا وتخرج إيران بوقف نار دون قيد أو شرط. وهذا تسعى إليه إيران ليحدث في الأسبوع الثالث من الحرب، ويتوقف النجاح الأميركي والإسرائيلي بمنع حدوثه.