Beirut weather 10.77 ° C
تاريخ النشر March 2, 2026
A A A
اغتيال الخامنئي واغتيال نصرالله
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران برز اسم السيد علي الخامنئي كركن بارز في بناء نموذج الجمهورية الإسلامية التي أسسها الإمام الخميني، ومساعد مقرّب موثوق للإمام، من صانع للخطاب السياسي للثورة والجمهورية كإمام جمعة طهران، ثم كقائد مؤسس للحرس الثوريّ والهيكلية العسكرية للجمهورية كممثل للإمام في المجلس الأعلى للدفاع طوال فترة الحرب العراقية على إيران، ليتولى بعدها رئاسة الجمهورية في وضع ركائز مؤسسات الدولة ويقودها قبل أن يصبح مرشداً للثورة والجمهورية كخليفة للإمام الخميني، راعياً لخط المقاومة في المنطقة وفق معادلة تحرير المنطقة من الهيمنة الأميركية ورفع شأن القضية الفلسطينية إلى المرتبة الأولى من اهتمامات شعوب المنطقة ونخبها.

في قلب هذا المشروع الذي بشّر به الإمام الخامنئي ووضع قدرات إيران العسكرية والتقنية والمالية في خدمته وعنوانه المقاومة لمواجهة المشروع الصهيوني الذي يحتلّ فلسطين ويهجّر شعبها ويتخذها قاعدة انطلاق للهيمنة على المنطقة بدعم أميركي لا محدود كركيزة للمشروع الأميركي العالمي، برز السيد حسن نصرالله كقائد عربي صاحب كاريزما ومؤهلات قيادية تاريخية استثنائية لحركات المقاومة، وقد تحققت على يديه إنجازات كبرى بحجم تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي دون تفاوض ودون قيد أو شرط، كأول أراض عربية ينسحب منها الاحتلال بهذه الطريقة، ثم بناء قدرة ردع منحت لبنان حماية دفاعية لم تتحقق في أي بلد عربي لمدة استمرّت سبعة عشر عاماً كانت “إسرائيل” تحسب ألف حساب لأي خطوة عسكرية أو أمنية تكسر معادلات الردع.

شكل طوفان الأقصى لحظة تاريخية فاصلة على صعيد المنطقة والعالم، وترتبت على الحرب الأميركية الإسرائيلية الشاملة على قوى المقاومة وإيران نتائج وكشفت حقائق، ووقعت تحولات كبرى، حيث ظهر من جهة أن حجم التفاعل مع القضية الفلسطينية على المستوى العربي والإسلامي تراجع كثيراً عما كان عليه قبل عقدين مع انتفاضة الأقصى، ونجحت التعبئة والتموضعات المذهبية بنقل هذا الاهتمام إلى مجرد تعاطف صامت، بينما ظهر إسقاط النظام في سورية لصالح بديل منفتح على حماية أمن “إسرائيل” والتخلي عن القضية الفلسطينية والانخراط في منظومة التبعية للسياسات الأميركية، كهدف يتقدّم وقضية جاذبة تستقطب غالبية شعبية وازنة، وبالمقابل حدث في العالم وخصوصاً في الغرب زلزال معاكس، حيث خسرت “إسرائيل” ومعها السياسات الأميركية تعاطف الشارع الغربي، وظهر شارع غربي ناشط يعيد البحث بشرعية وجود “إسرائيل”، ومن جهة ثالثة أظهرت قوى المقاومة التي دفعت أثماناً باهظة لوقوفها بوجه الحرب الأميركية الإسرائيلية بسالة وشجاعة وقدرة على الحفاظ على وجود دفاعي يعطل تقدم المشروع الأميركي الإسرائيلي، بحيث صارت المعركة مع إيران هي المعركة الفاصلة لمشروع الهيمنة الأميركية الإسرائيلية.

بمثل ما كان اغتيال السيد حسن نصرالله ذروة الهجوم على قوى المقاومة، جاء اغتيال الإمام الخامنئي ذروة الهجوم على إيران، وبمثل ما نجحت المقاومة في لبنان بإفشال الحلقة الأخطر في الحرب الأميركية الإسرائيلية بعد اغتيال نصرالله وهي الاجتياح البري لجنوب لبنان رغم حرب الستين يوماً المتواصلة، تبدو إيران جاهزة لفعل المثل وأكثر، حيث إن الفارق بين الاغتيال الأول والثاني محوري، حيث نجح المشروع الأميركي الإسرائيلي بتحويل اغتيال نصرالله إلى نقطة تحوّل لإنتاج معادلة سياسية للحكم في لبنان على خلفية إدانة حرب الإسناد التي خاضتها المقاومة لأجل فلسطين، بينما يأتي اغتيال الخامنئي على خلفية استعداد إيران لحل دبلوماسي لملفها النووي، حيث يتوحّد الإيرانيون على خلفية الانتقام لدم القائد الذي بنى دولتهم الحديثة المستقلة.

مدى صحة استنساخ الاغتيال في الخطة الأميركية والرهان على مفعول مماثل في الحالتين، سوف يكون نقطة الفصل في رسم مستقبل المنطقة والحرب الأميركية الإسرائيلية، وربما مصير الحكم في واشنطن وتل أبيب، والوضع يقع بين فرضيتين، تداعيات تنتهي بتصدع الحكم والقيادة في إيران، أم تداعيات تنتهي بالفشل في الحرب الأميركية الإسرائيلية ويبدأ معها تصدّع الحكم في كل من واشنطن وتل أبيب، والمعيار هو مدى قدرة إيران رغم الحرب والضربات على مواصلة إطلاق الصواريخ كماً ونوعاً بصورة لا تستطيع أميركا و”إسرائيل” مجاراتها لجهة المخزون الهجومي الإيراني والمخزون الدفاعي الأميركي الإسرائيلي، أو لجهة القدرة على تحمّل طول أمد الحرب أو لجهة تحمل التداعيات المترتبة على الاقتصاد العالمي والإقليمي، والسؤال هو هل سوف ينجح الخامنئي ونصرالله بمواصلة كتابة تاريخ المنطقة، أم سوف تنجح واشنطن وتل أبيب بطي صفحة نصف قرن من المقاومة وإدخال المنطقة في زمن العبودية والاستتباع؟