Beirut weather 10.21 ° C
تاريخ النشر February 27, 2026
A A A
الدولة القادرة: خيار لبنان الوحيد في زمن التصعيد
الكاتب: نادين سلام - اللواء

تتركَّز جهود الدولة اللبنانية وأصدقائها الدوليِّين على إنجاح مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، بوصفه خطوة أساسية لتمكين الدولة من بسط سلطتها الشرعية الكاملة على كافة الأراضي اللبنانية. ويأتي هذا المسعى في ظلّ تحديات أمنية متصاعدة، لا سيما مع استمرار الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية التي تتربّص بالجنوب اللبناني وثرواته الطبيعية، بانتظار أي فرصة لتوسيع دائرة التصعيد.

 

ويُعقد مؤتمر باريس بعد نجاح الجلسة التحضيرية التي استضافتها القاهرة، حيث عرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل الاحتياجات الملحّة للمؤسسة العسكرية، وفي مقدّمها تعزيز القدرات اللوجستية والتقنية والبشرية بما يمكّن الجيش من استكمال انتشاره الكامل، وتنفيذ خطة حصر السلاح بيد الشرعية بشكل نهائي. ويُنظر إلى هذا الدعم على أنه ركيزة للاستقرار الداخلي، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي ما زال يعتبر الجيش الضامن الأساسي لوحدة لبنان وأمنه.

في موازاة ذلك، يترقّب اللبنانيون نتائج المفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية في جنيف، نظراً لانعكاساتها المباشرة على واقع المنطقة بأسرها. فنجاح هذه المفاوضات قد يفتح الباب أمام مرحلة تهدئة، فيما أن فشلها قد يدفع نحو مواجهة عسكرية واسعة، تكون الساحة اللبنانية إحدى ساحاتها المحتملة. من هنا، تتعاظم أهمية تحصين الداخل اللبناني وتعزيز وحدته السياسية والأمنية، استعداداً لأي تطورات إقليمية مفاجئة.

 

ولا تزال الحكومة، بعد عام من نيلها الثقة، تؤكد التزامها دعم الجنوب وأهله، وتأمين مقومات الصمود والاستقرار، بالتوازي مع المضي قدماً في تنفيذ خطة حصرية السلاح التي أقرّتها سابقاً ، نظراً إلى أن تعزيز دور الجيش ليس خياراً ظرفياً، بل توجُّه استراتيجي لإعادة تثبيت هيبة الدولة وترسيخ مفهوم السيادة.

إلى جانب البُعد الأمني والعسكري، تبرز ضرورة الإصلاح المالي والإداري كركيزة مكمّلة لاستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي. فالدولة مطالَبة بتحسين جباية الإيرادات، وضبط الهدر، وتطوير الإدارة العامة بما ينعكس خدماتٍ أفضل للمواطنين، من دون اللجوء إلى فرض أعباء ضريبية إضافية تثقل كاهلهم في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.

 

صحيح أن حصيلة عام على تولّي الحكومة مسؤولياتها قد لا ترقى إلى مستوى تطلعات اللبنانيين، إلا أن حجم الانهيار الذي يرزح تحته لبنان يجعل أي تقدّم، ولو كان تدريجياً، إنجازاً بحد ذاته. فالطموحات كبيرة، والإمكانات محدودة، لكن الرهان يبقى على تضافر الجهود الداخلية والدعم الخارجي لتجاوز المرحلة الدقيقة، وصون الاستقرار، ووضع البلاد على سكة التعافي.

يقول الفيلسوف السياسي توماس هوبز: «قوة الدولة تكمن في قدرتها على فرض النظام وحماية السلم»، وهي مقولة تختصر جوهر المرحلة التي يمرّ بها لبنان اليوم، حيث لا خلاص إلا بدولة قوية، عادلة، وقادرة.