Beirut weather 11.88 ° C
تاريخ النشر February 26, 2026
A A A
يوم تسودّ وجوههم عند الحرب أو الاتفاق
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

هناك شرائح واسعة من الكتّاب والمشاركين في الحضور في برامج التحليل التلفزيونية والسياسيين في الدول العربية، ومنهم فئة وازنة في لبنان، وضعوا كل بيضهم في سلة الحرب الأميركية على إيران التي يرونها حكماً قادمة، وقد بنى هؤلاء خطاباً سياسياً متماهياً مع الخطاب الإسرائيلي القائم على الدعوة العلنية للحرب، وخطاب الحرب يعني لهم سحق قدرة إيران العسكرية، والقضاء على حلفائها في حركات المقاومة، وفتح مسار لتغيير النظام في إيران، وكل ذلك يعني دخول المنطقة في العصر الإسرائيلي كوكيل مباشر للزمن الأميركي، حيث سائر حلفاء أميركا مجرد مساعدين لدى المدير الإسرائيلي، أو شركاء مضاربين، كما هو الحال في سورية التي أُسقط النظام السابق فيها باستثمار عربي تركي، أدارته أميركا وقطفت ثماره ولا تزال “إسرائيل”، وهي ترفض حتى الانسحاب مما احتلته بعد سقوط النظام، فكيف بالنسبة للجولان الذي كان العرب والأتراك يعتقدون أن “إسرائيل” وأميركا سوف توافقان على الانسحاب منه لصالح نظام يوالي السياسات الأميركية ويرفض خيار المقاومة ويضمن أمن “إسرائيل”، لمساعدة هذا النظام على الوقوف على قدميه.

في حال الحرب نفسها إذا وقعت ليست هناك نتائج محسومة لصالح أميركا و”إسرائيل”، في ضوء ما جرى في حرب حزيران العام الماضي وصمود إيران وقدرتها على مواصلة إطلاق صواريخها وإيقاع الأذى الشديد بالعمق الإسرائيلي، إضافة لما يمكن لإيران فعله عندما تواصل أميركا الحرب، بخلاف ما فعلت في حزيران عندما امتنعت عن الردّ على الضربة الإيرانية على قاعدة عملياتها في قطر وطلبت وقفاً فورياً لإطلاق النار، وأميركا لم تردّ لأنها تعلم أن الردّ سيفتح باب حرب استنزاف تدفع فيها إيران أكلافاً عالية، لكن الأكيد فيها أن مضيق هرمز سوف يغلق وسوف ينجم عن ذلك أثر اقتصاديّ غير قابل للاحتواء يهدّد الاستقرار الاقتصاديّ في العالم، إضافة لما يمكن أن يُصيب القواعد الأميركية والقطع الحربية الأميركية في الخليج، ومن ضمنها حاملات الطائرات، في ضوء تجربة حرب البحر الأحمر بين أميركا واليمن.

إذا كان مفهوماً أن لا يأخذ المفتونون بالترامبية والمعجبون بشخصية بنيامين نتنياهو، فرضيّة تعثر خيار الحرب على محمل الجد، فهم يُسقطون من حسابهم كلياً فرضية الاتفاق، ومع انعقاد جلسة التفاوض الحاسمة في جنيف، يجب طرح السؤال الذي قد يصبح هو الحقيقة الواحدة الثابتة، ماذا لو توصّلت واشنطن وطهران إلى اتفاق نووي، ينص على تثبيت حق إيران بتخصيب اليورانيوم ويحدّد نسبة تخصيب وكميّات مخصّبة متفق عليها، ولا يتناول أي بنود تتصل بالبرنامج الصاروخي الإيراني أو بعلاقة إيران مع حلفائها في حركات المقاومة، أو ما يتصل بالوضع الداخلي في إيران؟ وفي واشنطن من يقول إن العقوبات على بيع النفط والغاز والمصارف والشركات التجارية هي عقوبات ترتبط بالملف النووي، ويمكن رفعها مع التوصل إلى اتفاق نووي، مع الاحتفاظ بعقوبات على أفراد وكيانات تتصل بكل من العناوين الباقية والسعي لجعلها عناوين تفاوض لاحقة، وإن هذا الخيار يريح واشنطن في علاقتها بـ”إسرائيل” والقول إن واشنطن لم ترضخ لشروط إيران، وقبلت بحصر البحث بالاتفاق في الملف النووي، بل قامت بتجزئة الملفات وهي ماضية بالعقوبات الخاصة بباقي الملفات سعياً للتفاوض وإنجاز اتفاقات حولها.

الاتفاق النووي يعني بالنسبة لإيران رفع العقوبات التي تكبّل اقتصادها وتمنعها من بيع نفطها وغازها وتشل حركة مصرفها المركزي ومصارفها التجارية، ومن دون رفع هذه العقوبات لا اتفاق، وأي اتفاق يضمن رفع هذه العقوبات يستحقّ بالنسبة لإيران ربط النزاع على الملفات الأخرى، ولو ربطت معها عقوبات موضعيّة ترتبط بها ولا تطال جوهر عناصر الحياة الاقتصادية والتجارية والمالية في إيران، ويبدو مثل هذا الاحتمال كبيراً جداً في ضوء معطيات موثوقة لما يمكن أن ينتج عن الحرب من مخاطر، وعدم وجود فرصة لتحقيق الأهداف عبر الحرب، سواء إسقاط النظام أو استسلامه، والسؤال بمعزل عن نسبة هذا الاحتمال، هو ماذا لو حدث ذلك؟

إذا خرج الدخان الأبيض من جنيف سوف تسودّ وجوه كثيرة، وبداية من “إسرائيل” سوف يعمّ الحداد، وفي قناة الحدث سوف تلبس السواد، وفي قنوات لبنانيّة سوف يبدأ اللطم، وسوف نسمع تحليلات وتنظيرات تفوح منها المكابرة وحال الإنكار تحت عنوان، إن هناك ملاحق سريّة وانتظروا وسترون، وإن أميركا حصلت على كل ما تريد، لكن الأيام سوف تمرّ سريعاً وتقول إن لا شيء من ذلك قد حصل، وإن الاتفاق هو ما تمّ إعلانه، وإن أميركا ليست إلهاً ولا قدراً، كما يظنّون، وإن في المنطقة قوى قادرة على قول لا والاستعداد لتحمّل التبعات والتداعيات، وصولاً إلى فرض تغيير الاتجاه.

الذي يحرّكهم الحقد على إيران وقوى المقاومة، سوف يُصابون بالذهول إذا وقعت الحرب من حجم ما سوف تظهره إيران من اقتدار وبأس وثبات، وما سوف يلحق بـ”إسرائيل” والمصالح الأميركيّة من أذى، وصولاً إلى فرض تسوية تعبر عن موازين القوى الحقيقيّة وليس تلك الموجودة في رؤوس الحاقدين، وإن تمّ الاتفاق سوف يُضطر هؤلاء للتأقلم مع حقيقة أن إيران قوة كبرى لا يمكن شطبها ولا إخضاعها ولا تجاهلها، وأن قوى المقاومة حليفة لإيران وليست أذرعاً إيرانية ولا أوراق تفاوض، وأنّها باقية وتزداد قوة وأن الدعم الإيراني لها لن يتوقف، فماذا يفعلون، ليستعدّوا مبكراً كي لا يُصابوا بالتلعثم من هول المفاجأة وقوة الصدمة.