Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر February 25, 2026
A A A
على حافة الانفجار: توازن الردع بين واشنطن وطهران واحتمالات المهلة الأميركية
الكاتب: العميد الركن المتقاعد جورج جاسر - اللواء

تشهد المنطقة لحظة دقيقة من التوتر المتصاعد، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، مع تأثيرات واضحة لدول الخليج وتركيا وروسيا والصين، بالإضافة إلى الميليشيات المناهضة لأميركا. التحركات الحالية لا تعد مجرد صدامات كلامية، بل اختباراً للقدرات العسكرية والدبلوماسية والتحكم في مستويات التصعيد.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضع طهران أمام مهلة محددة، مهدّداً باستخدام ضربات عسكرية محدودة ضد أهداف استراتيجية، مع التأكيد أن أي هجوما على المصالح الأميركية سيكون الرد عليه سريعاً وحاسماً. من جانبها، أكدت إيران بقيادة المرشد علي خامنئي ووزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان أن أي اعتداء على سيادتها لن يمرّ دون ردّ مؤلم، وأنها لا تسعى للحرب لكنها لن تتردد في الدفاع عن مصالحها الحيوية. هذا التبادل في الرسائل يوضح أن أي خطأ في الحسابات أو تفسير مختلف للضربة المحددة قد يؤدي إلى تصعيد غير متوقع.

إسرائيل، من جهتها، لم تخفِ استعدادها للتحرك منفردة إذا شعرت بخطر نووي من إيران، حيث شدّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أن إسرائيل لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي وستتصرف إذا لزم الأمر بمفردها. هذه المعادلة تضع واشنطن أمام تحدٍّ دقيق: احتواء أي تحرك إسرائيلي مستقل لتفادي انفجار إقليمي خارج السيطرة الأميركية.

دول الخليج، بما في ذلك السعودية والإمارات، تتبع نهجاً حذراً شديداً في التصعيد، مؤكدة على أهمية الحلول الدبلوماسية وضبط النفس، مع إدراك أن أي استخدام للأراضي أو الأجواء الخليجية كمنصة هجوم قد يحوّل المنشآت الحيوية إلى أهداف انتقامية، وهو ما يفرض قيوداً على الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

تركيا، ممثلة برئيسها رجب طيب أردوغان، دعت إلى خفض التوتر والحوار، مشدّدة على أن أي تصعيدا واسعا سيؤثر مباشرة على حدودها الجنوبية ويزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

روسيا والصين تتابعان التطورات بدقّة، معتمدة على نهج تحليلي واستراتيجي يركّز على تجنّب التصعيد المباشر. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شدّد على أهمية الحلول السياسية التي تحافظ على الاستقرار وتقلل المخاطر على المنطقة والأسواق العالمية، فيما كررت بكين رفض استخدام القوة لحل النزاعات، مع التركيز على حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية. كلتا الدولتين تعملان على موازنة النفوذ الأميركي والإيراني دون الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية، لتكونا عامل ضغط إضافي لتجنّب اندلاع حرب شاملة.

في لبنان، يظل دور حزب الله محدوداً مقارنة بفترة نفوذه الإقليمي السابقة. الحزب يواجه قيوداً كبيرة، ما يجعل أي تدخّل محتمل في الصراع الأميركي– الإيراني محدود النطاق وموجهاً استراتيجياً، غالباً في شكل عمليات رمزية بعيدة عن المناطق المدنية الرئيسية. إلى جانب ذلك، قد تظهر ردود فعل محدودة من ميليشيات مناوئة لأميركا مثل حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس أو جهات متضررة أخرى، لكنها ستظل ضمن إطار استراتيجي إيراني موجّه ضد أهداف أميركية أو إسرائيلية محددة، دون التأثير المباشر على مؤسسات الدولة أو المدنيين.

تحليل الواقع اللبناني يشير إلى أن القدرة المؤسساتية على ضبط المناطق الحيوية ومراقبة الحدود تجعل لبنان أقلّ عرضة للتداعيات المباشرة لأي تصعيد إقليمي واسع، بينما يحتفظ بدور هام كمساحة مراقبة للتفاعلات بين الأطراف الدولية والإقليمية. هذه المعطيات تجعل لبنان نموذجاً تحليلياً مهماً لفهم قدرة الدول ذات النفوذ المحدود على الصمود والتكيّف أمام نزاعات إقليمية كبيرة، دون أن يتحوّل إلى طرف مباشر في الصراع.

الرهان الأساسي يكمن في مفهوم «الضربة المحدودة». ما تعتبره واشنطن عملاً دقيقاً لردع إيران قد تراه طهران مساساً بسيادتها، ما يرفع احتمال ردود فعل تتجاوز التوقعات. أي خطأ في الحسابات، أو إدخال أطراف ثالثة في الصراع، يمكن أن يحوّل العملية المحدودة إلى تصعيد شامل. كما أن احتمال تسريب أسلحة نوعية مجهولة المصدر إلى إيران قد يغيّر شكل الأهداف وأولويات الهجوم، ويزيد من تعقيد المعادلة.

استشراف الأيام المقبلة يشير إلى احتمالات متعددة: تحركات بحرية أميركية، إعادة تموضع دفاعات جوية، هجمات سيبرانية أو عمليات انتقامية محدودة، مع استمرار التصعيد السياسي والتفاوضي في الوقت ذاته. الاحتمال الأكبر يبقى استمرار حالة الضغط والتحشيد دون انفجار شامل، إلّا إذا وقع حدث مفصلي يفرض تصعيداً أكبر، مثل استهداف منشأة استراتيجية أو سقوط قتلى أميركيين.

في النهاية، ما يجري ليس مجرد لعبة عسكرية أو دبلوماسية، بل اختبار إرادات تحت سقف المهلة الأميركية لطهران. التصعيد أداة ضغط وليست نقيض الحوار، لكنه يحمل خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع. أي ضربة محتملة قد تُستوعب ضمن توازن ردع جديد إذا بقيت ضمن نطاقها المحدد، أما إذا اعتبرت في طهران ككسر استراتيجي، فإن نهاية المهلة قد تفتح باب استنزاف تدريجي عبر ردود متراكمة.