Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر February 24, 2026
A A A
سنة غير عادية مرّت على التشييع
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

مرور سنة على تشييع قائد المقاومة وشهيدها الأسمى السيد حسن نصرالله ليس أمراً عادياً، حيث قدّم التشييع لحظة تاريخية للقاء استثنائي بين المقاومة وشعبها تحت عنوان “إنّا على العهد”، كرسالة التزام من المقاومة وشعبها بالبقاء على خط المقاومة والوفاء لوصية سيد المقاومة وحفظها وصونها وحمل صوت شهدائها وأولهم قادتها الشهداء. والرسالة بقدر ما كانت لحظة عاطفية حماسية أذهلت المتابعين وأصابت المراقبين بالدهشة، ألقت على عاتق طرفيها، المقاومة وشعبها، مسؤولية شديدة التعقيد عالية التكلفة، تزداد مع كل يوم يمرّ مصاعب الوفاء بالتعهد بالثبات على الخيار الذي اختصرته معادلة “إنّا على العهد” وتحمل التبعات.

كلما مر يوم على الشعور بثقل الحزن الذي نزل على نفوس وقلوب محبّي السيد نصرالله، أصبح السعي للنهوض من محنة الشعور بالخسارة الجسيمة إلى المواظبة على فعل يحتاج روحاً معنوية عالية أشد صعوبة، حيث لا يكفي أن لا يتخلّى الناس عن المقاومة كخيار كي يكونوا مخلصين لمعادلة “إنّا على العهد”، وهم يعرفون أن عليهم لترجمة المعادلة التي أقسموا عليها، تحمل ما يصيبهم بفعل الحرب المفتوحة على المقاومة، حرب تقتل وتدمر وتهجر، وحرب أخرى تشتم وتحرّض وتبثّ الأحقاد، وحرب ثالثة تتمثل بالحصار الاقتصادي والمالي، وحرب رابعة تقول إن لا صورة واضحة عن الغد اعتادوا على اتخاذها من قبل كنقطة انطلاق في ترتيب أمورهم.

كلما مرّ يوم على الشعور بحجم الفراغ الذي خلفه استشهاد السيد بالنسبة لقيادة المقاومة، فراغ مكان القائد المجرّب القادر بالتعرف على ما يجب فعله مستنداً إلى فطرة وغريزة القائد الذي لم يعد يحتاج إلى التخطيط أو الدرس أو التحليل، وفراغ القائد المعشوق من شعبه وقوى المقاومة والحرية في المنطقة وأحرار العالم وشعوب العالم الحرة، وفراغ الكاريزما والمهابة الآسرة حتى في نفوس الأعداء قادة ونخباً ورأياً عاماً، وفراغ القائد الذي حفظ لثلاثين عاماً كيف تعمل مؤسسات وهياكل المقاومة المتشعبة والمعقدة، كما حفظ ما لديها من إمكانات وحدود القدرة على توظيفها ومواقيت ذلك وكيفيّته، كما حفظ أسماء وتعرّف على أشخاص وقدرات المواهب والقيادات المؤتمنة على مفاصل العمل وتلك المؤهلة لتولي القيادة وتلك التي تلي والتي تلي ما يلي حتى مستوى رابع وخامس، ولم يعد يكفي أن تكون المقاومة وفيّة للسيد ونهجه، بل أن تثبت للعدو والصديق ولشعب المقاومة أن المقاومة بخير وأنّها تعافت واستعادت الكثير من عناصر قوتها لتستعيد مكانها الطبيعي في خط المواجهة، ويُحسب لها كثير من الحساب الذي كانت تفرضه على الجميع.

حجر الحزن الثقيل الرازح فوق الصدور يمنع الشعور بالفرح والراحة، والشعور بالإنجاز كما الشعور بالنصر يتقاطع مع شعور الفرح والراحة، وهذا ما منع عن شعب المقاومة فرحة الشعور بالنصر يوم نجحت المقاومة رغم كل ما حلّ بها ونزل عليها، من منع الاحتلال من التقدم داخل الأراضي اللبنانية خلال ستين يوماً من القتال الأسطوري، فكيف يمكن للحزانى حتى الموت أن يشعروا بالفرح حتى الحياة، وشعور النصر يقع في منطقة الفرح من العقل والنفس والقلب، والتبرّم والانتقاد والغضب والشعور بعدم الراحة تعبيرات حال إنكار الفرح باعتباره بعضاً عزيزاً من معادلة “إنّا على العهد”، لكن شعب المقاومة يعلم أنه خلال عام هو ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً من القهر والعذاب والتضحيات والتحمل والصبر، كتب آيات من الإنجاز والصدق والوفاء وكان أهلاً لأداء تعهّده بمعادلة “إنّا على العهد”.

لا يمكن أن نتوقع من المقاومة بقيادتها وكوادرها القول يوماً بأن الفراغ الذي خلفه السيد قد امتلأ، حتى لو تحققت المعجزات والانتصارات، لأن أصل الشعور بالفراغ مستدام، ولأن المقاومة بقيادتها وكوادرها تستلهم الحضور لتعطل نتائج الغياب، ولا تضع نفسها في مقارنة مع ما كان، بل في تحدٍّ للفوز بما سيكون، لكسب رضا السيد وإثبات الوفاء لمعادلة “إنّا على العهد”، وأن ما تركه يُصان ويحفظ كما أحب أن يُصان ويُحفظ، وأن صوت الشهداء يحمل ويمضي به القادة ويحفظه المقاومون إلى حيث يجب أن يصل، وسيبقى لسان حال المقاومة بقيادتها وكوادرها أن عصرها الذهبي كان مع السيد، وأنها تبذل ما بوسعها لتحمل المسؤولية، وأن كل ما سوف يتحقق على أيديها هو ببركة ميراثه وودائعه وتوصياته وإلهام حضوره الدائم الذي لا يغيب، لكن المقاومة بتواضع قيادتها وكوادرها تعلم أن صمودها هذه السنة في مواجهة حروب متعددة عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية وشعبية ونفسية، مع حصار شديد مادي وإعلامي وسياسي، ومؤامرات لا تنتهي ومشاريع اختراق تملك مقدرات هائلة، كان أسطورياً وخارقاً لقواعد الحرب التقليدية، وأنها اليوم جاهزة كما لم تكن من قبل لأي منازلة يفرضها تطور الصراع، وأنها قادرة على الدفاع عن الوجود، وأنها رقم صعب يستحيل تجاهله، يؤرق ليل أعدائه، ويربك حسابات المتورطين والمتآمرين، وأنها أسست قاعدة صلبة للبناء عليها في خططها اللاحقة، وأنها عادت إلى حيث يجب أن تكون.

بعد عام على العهد المقاومة وشعبها يمضيان معاً بثبات وقوة وهما أكثر تلاحماً، وقد بات للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم مكانة كان يصعب تخيّل وجودها في قلوب الناس التي امتلأت حباً بعشق السيد، ليظهر أن قلوب الناس تتسع لهذا الحب وذاك، بل ربما تحتاج إلى هذا الحب لتحمي ذاك الحب وتحفظه.