Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر February 23, 2026
A A A
من البنزين إلى الأملاك البحرية والكسَّارات.. هل تنجح خارطة العدالة الضريبية؟
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

في خضم الحملات الحزبية والشعبوية الصاخبة، جاء المؤتمر الصحفي لرئيس الحكومة نواف سلام ليكسر القواعد التقليدية للخطاب الرسمي اللبناني، منتقلاً من لغة الوعود الهلامية إلى صراحة «المبضع» التي تشرح الأزمة، وتضع الحلول المرّة لها فوق الطاولة.

 

لم يكن البيان مجرد دفاع عن موازنة أو تبرير لضرائب، بل بدا وكأنه محاولة لرسم عقد اجتماعي جديد يقوم على مبدأ «المشاركة في الأعباء» وفق التراتبية المالية، وليس عبر الطبقية السياسية، أو التصنيفات المناطقية.

لقد وضع سلام الإصبع على الجرح النازف منذ عقود، وهو غياب العدالة في تحصيل حقوق الدولة، حين ربط بين الإجراءات الضريبية القاسية على الاستهلاك، وبين فتح ملفات «المحرمات» التاريخية مثل الأملاك البحرية وقطاع الكسارات، وإختراق الحمايات للمتهربين من الضرائب، والتشدد في تحسين الجبايات المالية للدولة.

 

القراءة التحليلية لمضمون ما طرحه الرئيس سلام تشير إلى تحول جذري في عقلية الإدارة؛ فبدلاً من الهروب إلى الأمام بالاقتراض أو طبع العملة، اختار المواجهة مع «كارتيلات» المصالح. إن الكشف عن إعادة تقييم بدل التعديات على الأملاك البحرية، والتلويح بمطالبات بمليار دولار من أصحاب الكسارات تحت طائلة الملاحقة القانونية، وضبط التهريب في المرافئ، وإرتفاع معدلات تحصيل الرسوم والضرائب، يمثل رسالة سياسية قبل أن تكون مالية، مفادها أن الدولة التي تطلب من المواطن زيادة في ضريبة القيمة المضافة (VAT) أو سعراً أعلى للبنزين، هي الدولة نفسها التي لن تتهاون مع من استباحوا مواردها الطبيعية لسنوات، أو السكوت عن النافذين المتهرِّبين من الضرائب . هذا التوازن في الطرح هو ما يمنح الحكومة «شرعية أخلاقية» في فرض إصلاحات مؤلمة وغير شعبية، إذ لا يمكن إقناع الشارع بضرورات التقشف، بينما تبقى قمم الجبال وشواطئ البحر، مثلاً، خارج حدود المحاسبة الضريبية.

 

ومع ذلك، فإن هذه الصراحة والوضوح اللذين ميّزا كلام سلام في الموتمر الصحفي، يصطدمان بواقع معيشي مرير لا يحتمل التأجيل، أو «التنظير» الاقتصادي طويل الأمد. فرغم أهمية تحصيل المليارات من المعتدين على الأملاك العامة، إلا أن مفاعيل هذه الأموال قد تستغرق وقتاً للدخول في دورة الاقتصاد، بينما يقع عبء زيادة أسعار البنزين وضريبة القيمة المضافة على كاهل المواطن في اللحظة نفسها التي يغادر فيها المحطة أو المتجر. وهنا تبرز الثغرة التي تحتاج إلى معالجة فورية وجريئة توازي جرأة كشف ملفات الكسارات: وهي حماية ذوي الدخل المحدود والطبقات الهشة التي يمثل «البنزين» بالنسبة لها شريان الحياة اليومية، وليس مجرد وسيلة ترفيه.

 

إن المخرج الضروري لامتصاص ضجة الحملات الشعبوية، يكمن في ابتكار آلية دعم تستهدف الفئات الأكثر حاجة للدعم، ورغم أن بعض تلك الحملات مسيَّسٌ، إلا أن بعضها الآخر نابع من وجع حقيقي. إذ لا يمكن مساواة سائق العمومي الذي يقضي اثنتي عشرة ساعة خلف المقود لتأمين لقمة عيشه، برب عائلة يمتلك أسطولاً من السيارات الفارهة. المطلوب اليوم هو تحويل جزء من زيادة العائدات المتوقعة للخزينة من ملفات الأملاك البحرية والكسارات، إلى دعم مباشر لقطاع النقل العام وللسائقين العموميين، سواءٌ عبر قسائم وقود مدعومة أو بطاقات تمويلية مخصصة. هذا الإجراء لن يحمي السائقين فحسب، بل سيمنع انفجار أسعار السلع والخدمات التي تتأثر كلياً بتكلفة النقل، مما يخفف من حدة التضخم الذي قد تسببه زيادة القيمة المضافة.

 

لقد حاول نواف سلام أن يضع «خارطة طريق» للعدالة الضريبية، لكن النجاح الحقيقي يبقى رهناً بالقدرة على تحقيق التوازن الإجتماعي في سلّم الضرائب، ومنع القوى المتضررة من عرقلة تحصيل حقوق الدولة. إن المعركة اليوم ليست بين ميزانية وأخرى، بل هي معركة استعادة هيبة القانون على الجميع. ولكي تكتمل هذه الصورة، يجب أن يشعر المواطن العادي أن «الدولة القوية» التي تلاحق أصحاب الكسارات والمتهرِّبين من الضرائب من كبار رجال الأعمال وأصحاب النفوذ، هي نفسها «الدولة الراعية» التي تحمي لقمة عيشه من جنون الأسعار، وإستغلال التجار.

إن الشفافية التي انتهجها رئيس الحكومة تبقى سابقة موفّقة في مخاطبة اللبنانيين مباشرة ووضع النقاط فوق حروفها الصحيحة، وكشف حقيقة المزايدات الشعبوية عشية الإنتخابات النيابية. ولكنها تبقى بمثابة الخطوة الأولى، على أن تعقبها خطوات متسارعة لحماية أصحاب الدخل المحدود والفئات الأكثر هشاشة، والتي لم تعد تملك ما تقدمه من تضحيات في سبيل خطط الإصلاح والنهوض الإقتصادي.