Beirut weather 23.54 ° C
تاريخ النشر February 21, 2026
A A A
إسرائيل إلى ما قبل العام 1978
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

لم تعد تخفي “إسرائيل” أنها لا تقيم اعتباراً لاتفاق وقف إطلاق النار ومن خلفه القرار 1701، وقد قال وزير الحرب في حكومة الاحتلال يسرائيل كاتس كلاماً واضحاً كذّب مزاعم وأزعج كل الذين روّجوا إلى أن احتفاظ “إسرائيل” بالتلال اللبنانية هو جزء من اتفاق وقف إطلاق النار الذي لا يلزم “إسرائيل” بشيء قبل نزع سلاح المقاومة، فقال كاتس إن الاتفاق لا يمنح “إسرائيل” ذلك لكنها فرضته بالقوة وحظيت بدعم أميركي بما يكفي بالنسبة لها للبقاء، كما أن “إسرائيل” لم تعد تقيم حساباً لاجتماعات الميكانيزم وترتيبات الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وهي لذلك غير معنية بكل المناشدات الأوروبية لمراعاة صورة الجيش اللبناني بعيون مواطنيه خلال العمليات الإسرائيلية في منطقة عمليات الجيش، ولا تخفي “إسرائيل” نواياها عندما تتاح لها الفرصة لاجتياح منطقة عمليات الجيش واليونيفيل وربما بعد رحيل اليونيفيل يكون الوضع صار ملائماً لذلك، كما أن “إسرائيل” ليست متحمسة للانتقال الى التفاوض السياسي الذي يظن كثيرون أنه هدف أميركي إسرائيلي بذاته، بينما تتصرف “إسرائيل” على أساس أن وظيفة هذا التفاوض هي تكريس اقتطاع جزء من الأرض اللبنانية ومساحة من الامتيازات في المياه والأجواء اللبنانية وأن مثل هذه الشرعية لن تجرؤ سلطة لبنانية على منحها إلا بعد إنهاء سلاح المقاومة، وهذا ما لن تفعله أي سلطة في لبنان وعلى “إسرائيل” فعله أولاً وبعدها تفكر بالخطوة التالية، التي ربما تكون التوسّع الجغرافي نحو نهر الليطاني، والتفاوض من بعدها على اتفاق بمقاس يناسب تطلعات “إسرائيل” لخمسين عام قادمة.

تتصرف “إسرائيل” على جبهة لبنان وفق المعادلات التي كانت تعتمدها قبل العام 1978 وصولاً إلى العام 1982، حيث توجد قوى مناوئة لـ”إسرائيل” فلسطينية ولبنانية، مع فارق النسب بينها وتغير هيكلية هذه القوى، ولذلك فإن على “إسرائيل” ملاحقة هذه القوى وتدمير بنيتها التحتية وصولاً إلى العاصمة بيروت، التي كانت تتعرض للقصف بشكل مفاجئ وكانت منطقة الفاكهاني عرضة دائماً لغارات غالباً ما تنتهي بإسقاط أبنية كاملة، وقتل عائلات برجالها ونسائها وأطفالها، وتتحدّث عن استهداف قيادي في منظمة فلسطينية، في ظل مناخ سياسي لبناني تمّ ترويضه لقبول فكرة أن ما تفعله “إسرائيل” ناتج عن وجود مسلح مناوئ لـ”إسرائيل” عاجز عن الرد وعن فعل ما يسبب الأذى لـ”إسرائيل”، ما ينتج عنه من جهة عدم الشعور بالحاجة لفعل شيء أو مطالبة الدولة بفعل شيء رداً على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ومن جهة موازية تعاظم التيار المنادي بتحييد لبنان عن القضية الفلسطينية، وبالحد الأدنى إنهاء الوجود الفلسطيني المسلح، وهو ما قامت به “إسرائيل” في اجتياح عام 1982، وقد تم وسط مشاركة من فريق لبناني وقبول فريق لبناني آخر وعدم ممانعة من فريق لبناني ثالث، قبل أن يثبت للبنانيين أن إسرائيل جاءت لتبقى لا لتخرج السلاح الفلسطيني وحسب، ويبدأ بعض المقاومين برسم مسار جديد أخذ بالتعاظم على إيقاع ديمومة الاحتلال واتساع جرائمه.

يجري الآن شيء شبيه، في الحساب الإسرائيلي، وفي بعض الحسابات اللبنانية، لكن المشكلة التي تواجه حسابات الفريقين اللبناني والإسرائيلي، هي أن السلاح المزعج يعود لفريق لبناني محتضَن من شريحة شعبية واسعة، أثبت مع بيئته إنه قادر على قلب الطاولة، وهو السلاح ذاته وهي البيئة ذاتها، وفقاً لتجربة التحرير عام 2000 والمواجهة عام 2006، بمقدرات أقلّ وشعبية أقلّ، وهو السلاح ذاته وهي البيئة ذاتها وفقاً لتجربة انتفاضة 6 شباط 1984، ورغم التقدير العالي لحكمة القيادة ومحاولتها احتواء الاحتقان المتعاظم في بيئة مناصري المقاومة، يجب الاعتراف بأن حال غليان غير مسبوقة تجتاح هذه البيئة منذ شهور، وبعدما كان هناك تسليم بصواب خيار قيادة الثنائي بالوقوف وراء مؤسسات الدولة، صار الغضب من مؤسسات الدولة ورموزها في مراحل أقرب إلى الانفجار، والمطالبة بالرد على الاعتداءات مهما كانت التكلفة بدأت تكتسب المزيد من الشعبية، والكلام الذي يتردّد بعد كل مجزرة ماذا تنتظر، إنهم يقتلوننا ويقتلون قادة وكوادر وشباباً ويبيدون أسراً كاملة ونحن نتفرج ونعد شهداءنا بلا أن نفعل شيئاً؟

هذا المقال ليس دعوة للردّ ولا دعوة للانقلاب على العلاقة مع مؤسسات الدولة، بل دعوة للانتباه إلى أن هناك شيئاً يتغير بسرعة، لا يمكن إنكاره ولا تجاهله، وعلى سبيل المثال، الجنوبيون والبقاعيون المتعاطفون كثيراً مع ما حلّ بأبناء طرابلس من كارثة مع تساقط الأبنية المتصدعة، يتساءلون لماذا لم يقف الوزراء والرؤساء مرة دقيقة صمت مرة واحدة عن أرواح شهدائنا، ولماذا لا يجدون مالاً بتخصيصه لإيواء مهجرينا الذين دمرت بيوتهم ويبيت كثيرون منهم في سياراتهم؟

الكل يجب أن يخشى انفجار هذه المشاعر التي لا تزال إلى اليوم همساً مكبوتاً، لكنها في لحظة قد تصبح صراخاً غاضباً، والسؤال ماذا ننتظر لنبدأ بالاعتراف بأننا أمام “إسرائيل” التي تنفذ خطة التمهيد لاجتياح جديد للبنان ونحو بيروت أيضاً، وماذا ننتظر لنناقش كيف نتصرّف دولة ومقاومة وسياسيين ونخب تدّعي روح المسؤولية الوطنية؟ ومتى يمكن للدولة أن تضع استراتيجية للدفاع الوطني إذا لم تفعل ذلك في مثل الحالة التي نعيشها اليوم والتي قد تصبح خطراً وجودياً غداً؟