Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر February 19, 2026
A A A
لبنان أمام مفترق طرق.. مسار إصلاحي أم جباية عشوائية وتصعيد شعبي؟!..
الكاتب: غسان ريفي - سفير الشمال

 

 

دخل لبنان مرحلة جديدة من التصعيد الاجتماعي والشعبي على خلفية قرار الحكومة تأمين تمويل زيادات رواتب القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين من جيوب المواطنين، في لحظة هي الأدق والأكثر خطورة منذ الانهيار الاقتصادي قبل سنوات.

 

 

 

الإصرار الرسمي على تحويل دور الدولة من الرعاية إلى الجباية، في ذروة تآكل القدرة الشرائية وانحدار الرواتب إلى مستويات غير مسبوقة، يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المقاربة الحكومية للأزمة، لجهة: هل المطلوب إصلاحات إدارية ومالية تعيد هيكلة الإنفاق وتكافح الهدر والفساد، أم الاكتفاء بسياسة “ترقيع” قصيرة الأمد تراكم الاحتقان وتؤسس لانفجار اجتماعي جديد؟

 

 

 

مع حلول شهر رمضان المبارك والصوم الكبير، كان يُفترض بالحكومة أن تبادر إلى ضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار وحماية المواطنين، لكن “الصدمة” كانت برفع سعر صفيحة البنزين وزيادة واحد بالمئة على ضريبة القيمة المضافة، وهي إجراءات ستنعكس حكماً على مجمل أسعار السلع والنقل والخدمات، لتطال مباشرة الاستهلاك اليومي للمواطنين، ولا سيما الفئات الوسطى والفقيرة التي بالكاد توفّق بين رواتبها الضئيلة ومتطلبات العيش الكريم.

 

 

 

اللافت أن هذه الإجراءات الضريبية، تصيب الفئات الأكثر هشاشة بشكل مباشر، فالبنزين وضريبة القيمة المضافة لا يمكن التهرب منهما، وتطال الجميع بالنسبة نفسها، ما يجعل أثرها أشد قسوة على محدودي الدخل. وعليه، فإن قول الرئيس نواف سلام إن “الضرائب تستهدف الأغنياء” لا ينسجم مع طبيعة الرسوم المفروضة ولا مع واقع انعكاساتها الاجتماعية.

 

 

 

كان بوسع الحكومة أن تتجه نحو خيارات أكثر عدالة، مثل: إعادة النظر في بنية الإنفاق العام، مكافحة التهرب الضريبي في القطاعات الكبرى، فرض ضرائب تصاعدية على الثروات والأرباح، أو تفعيل آليات الجباية من مكامن الهدر الكبرى. إلا أنها اختارت الطريق الأسهل وهو تحميل الكلفة لمن لا قدرة لهم على المواجهة.

 

 

 

الأخطر أن الزيادات الموعودة على الرواتب، والتي لا تتجاوز في حدها الأعلى نحو 170 دولاراً، مهددة بأن تتآكل سريعاً بفعل موجة الغلاء الجديدة، وهو ما دفع كثيراً من المستفيدين المفترضين إلى اعتبارها زيادة شكلية لا تلبي الطموحات ولا تعوّض الخسائر المتراكمة منذ سنوات الانهيار.

 

 

 

في ظل هذا المشهد، تتوقع مصادر مواكبة أن تشهد المرحلة المقبلة تحركات نقابية وشعبية واسعة، منظّمة وتصاعدية، من اعتصامات وتظاهرات قد تعم مختلف المناطق اللبنانية. ويُرجَّح أن تتلاقى هذه التحركات مع قوى سياسية معارضة بدأت ترفع سقف انتقاداتها لقرارات الحكومة، تحت شعار “رفض معاقبة الفقراء واستهدافهم” بدل تأمين الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.

 

 

 

يمكن القول، إن لبنان اليوم أمام مفترق حاسم، فإما الاعتماد على مسار إصلاحي حقيقي يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الراعية والعادلة، أو الاستمرار في سياسة “الجباية العشوائية” التي قد تفتح الباب أمام موجة غضب شعبي جديدة، تؤدي إلى توترات في الشارع وقد لا تنجو منها الحكومة.