Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر February 19, 2026
A A A
بين المزايدات الشعبوية والإزدواجية الوزارية
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

 

في خضم الموجة الشعبوية الصارخة حول تصحيح الأجور في القطاع العام وقراري الزيادة على البنزين وضريبة القيمة المضافة، برزت ظاهرة سياسية مقلقة تتجاوز مضمون القرارات نفسها، وهي ازدواجية المواقف لدى بعض الوزراء المشاركين في الحكومة. فالمشكلة لم تعد في اختلاف الرأي، بل في التناقض الصارخ بين ما يُقال داخل مجلس الوزراء وما يُعلن خارجه.

 

المسؤولية الوزارية ليست انتقائية. الوزير الذي يجلس إلى طاولة مجلس الوزراء، يناقش، ويوافق، ثم يخرج إلى الإعلام ليعلن اعتراضه أو يتنصّل من القرار، لا يمارس حقًا ديمقراطيًا، بل يضرب مبدأ المسؤولية الجماعية في الصميم. هذا السلوك لا يربك الرأي العام فحسب، بل يُضعف صدقية الحكومة كفريق عمل موحّد، ويحوّل القرارات المصيرية إلى مادة للمزايدات الشعبوية.

القرارات المالية الأخيرة، سواءٌ في ما يتعلق بالأجور أو بالإيرادات، جاءت في سياق معادلة شديدة الحساسية: تحسين أوضاع العاملين في القطاع العام ضمن حدود لا تدفع البلاد إلى مزيد من العجز والتضخم. قد يختلف البعض حول تفاصيل المقاربة، لكن لا يمكن إنكار أن الخيارات المتاحة كانت ضيقة، وأن أي تراجع عن تأمين مصادر تمويل موازية كان سيقود إلى طباعة نقد، أو توسع غير محسوب في الإنفاق، بما يحمله ذلك من عجز مضاعف وكلفة اجتماعية أعلى.

 

في هذا المشهد، برز رئيس الحكومة متحمِّلًا عبء الدفاع عن القرارات وحده تقريبًا. لم يلجأ إلى المواربة، ولم يختبئ خلف خطاب مزدوج، بل واجه الرأي العام بشرح الخيارات وتبعاتها، واضعًا رصيده السياسي في مواجهة الغضب الشعبي. هذه ليست مسألة تفضيل سياسي، بل مسألة شجاعة في تحمّل المسؤولية.

في المقابل، اختار بعض الشركاء في الحكومة موقعًا أكثر راحة: الموافقة في الداخل حفاظًا على مواقعهم، والاعتراض في الخارج استرضاءً لقواعدهم. هذا السلوك قد يحقق مكاسب آنية، لكنه يراكم خسارة طويلة الأمد في الثقة العامة. فالحكم ليس ساحة لتبادل الأدوار بين مؤيد ومعارض داخل الفريق نفسه، بل التزام واضح بتحمّل كلفة القرار.

 

المرحلة الدقيقة التي تمرُّ بها البلاد تتطلَّب وضوحًا سياسيًا لا لبس فيه. إما شراكة كاملة في اتخاذ القرار والدفاع عنه، أو انسحاب صريح ينسجم مع الموقف المعلن. أما ازدواجية الخطاب، فهي أخطر من أي قرار مالي، لأنها تقوّض أساس العمل الحكومي وتترك رئيس الحكومة في مواجهة العاصفة وحيدًا، فيما يتوارى شركاؤه خلف حساباتهم الضيقة.