Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر February 18, 2026
A A A
إيران تبرمج عائدات التفاوض وكلفة الحرب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

عندما يُضطر كبير الباحثين في مركز دراسات تابع لقناة تلفزيونية مرموقة خاض مراهنة مطلقة على أن شرط إبعاد الحرب عن إيران هو الاستسلام غير المشروط، للقول إن أميركا تخطط للحرب بعد التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران لتدمير قدراتها الصاروخية لأن واشنطن تخشى إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي أن تؤدي الحرب التي يجزم أنها سوف تدمّر قدرات إيران إلى فقدان السيطرة على الكميات المخصبة من اليورانيوم التي تمتلكها إيران وتكفي لإنتاج عدة قنابل نووية، فهو يكشف الحجة التي بدأت واشنطن بتقديمها لمن وعدتهم بالحرب ومنهم “إسرائيل” لتبرير التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران.

لا اليورانيوم المخصّب لدى إيران اكتشاف جديد، ولا الحرب لتدمير إيران نزهة سهلة، ولا الحرب لتدمير القدرات الصاروخية الإيرانية بعد التوصل إلى اتفاق نووي تبقى كذلك، وكلام كبير الباحثين ليس إلا لتبرير الخيبة الكبيرة التي أصابت كل الذين راهنوا على قوة أميركا التي لا يمكن التمرّد على مشيئتها، وفوجئوا بأن أميركا تقبل التفاوض على الملف النوويّ حصرياً بخلاف ما وعدتهم، و”إسرائيل” أول الذين وُعدوا، بأن معادلتها كل شيء أو لا شيء باقية، وهم يرفضون التصديق أن إيران هزمت هذه المعادلة بجواب فليكن لا شيء إذن، لأنها نجحت ببرمجة كيفية رفع عائدات التفاوض ورفع كلفة الحرب في الوقت نفسه.

جعلت إيران إسقاط النظام فوق طاقة أميركا من خلال إظهار حجم التماسك الإيراني الداخلي بوجه خيار الحرب، وإقفال فرص إشعال الحرب الأهلية بين مكوّنات عرقية وقومية، وملاحقة الشبكات التي زرعها الأميركيون والإسرائيليون واقتلاع أغلبها، وجعلت إيران كلفة الحرب خارج نطاق السيطرة الأميركية حيث المزيد من حاملات الطائرات مزيد من المخاطرة بخسائر وجودية لا تُحتمل، وإبعاد الحاملات عن مدى النيران الإيرانية الصاروخية إبعاد للطائرات عن قدرة الاستهداف دون التزوّد بالوقود في الجو، واعتماد التزود بالوقود في الجو يجعل الحشد بلا قيمة لمحدودية القدرة على تزويد كل هذا الحشد بالوقود جواً، ومثل الحاملات حال القواعد الأميركية الواقعة في مرمى الصواريخ الإيرانية، والاعتماد على القاذفات الاستراتيجية يفيد لضربة مثل فوردو وليس لشنّ حرب تدميرية. وبالمقابل لا تستطيع واشنطن شل قدرة إيران على تدمير “إسرائيل” ولا تعطيل صواريخها ولا أبعاد الصواريخ عن أهدافها رغم كل الدفاعات الجوية الأميركية الإسرائيلية، كما قالت حرب حزيران، بحيث جعلت إيران خيار الحرب مشروعاً للدمار المتبادل، يكفي إغراق حاملة طائرات واحدة خلالها حتى يدخل العالم في فوضى عسكرية كبرى تدفع ثمنها إيران، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سوف يدفع الثمن أولاً.

في برمجة الكلفة تدرك إيران أن مضيق هرمز وتأثيره على سوق الطاقة العالمي شكل منذ الثمانينيات من القرن الماضي صمام الأمن الإيراني، قبل أن تكون لدى إيران قدراتها الراهنة من الصواريخ الدقيقة والفرط صوتية والطائرات المسيرة الحديثة، ومنذ أربعين سنة بنت إيران عقيدتها العسكرية البحرية على توفير مقتضيات جعل إقفال مضيق هرمز مسألة قرار، وهي أبلغت واشنطن أن محاولة إيقاف حاملاتها في البحار سوف تؤدي إلى إقفال هرمز أمام كل ناقلات النفط وفق معادلة واشنطن، كل شيء أو لا شيء، وقامت بتنفيذ مناوراتها لإقفال المضيق وأقفلته لساعات، خلال المفاوضات، لمنح هذه البرمجة لكلفة الحرب مصداقية كافية، وإظهار الجدّية في ترجمتها إلى وقائع.

الحرب الخاطفة مستحيلة معادلة حرصت إيران على إثباتها، حيث لا مكان لضربة ولا مكان لأيام حرب، والحرب إن بدأت سوف تستمرّ شهوراً عدة على الأقل، تغرق في أيامها الأولى حاملات الطائرات وتسقط على “إسرائيل” مئات أو آلاف الصواريخ، ويتم تدمير القواعد الأميركية في المنطقة، وربما تجبر أميركا على جلب مئات الآلاف من جنودها لمحاولة غزو إيران براً، وتلك هي الحرب التي سوف تجلب نهاية صورة أميركا كقوة عالمية، وتُنهي حياة ترامب السياسية، والمعادلة دمار متبادل أو لا حرب.

بالتوازي اشتغلت إيران على تحضير حزمة من الحوافز ضمن إطار برمجة رفع عائدات التفاوض، عبر تقديم مشروع اتفاق نووي يمنح ترامب صورة النصر التي يطلبها، دون التخلّي عن الحقوق النووية ببرنامج سلمي بما فيها حق التخصيب، ويقيم تبادلاً مربحاً بين رفع العقوبات والطلبات التجارية والعروض الاستثمارية بما يمنح الشركات الأميركية فرصاً ذهبية استثنائية في المجالين، وإبداء الاستعداد للدخول في تفاهمات إقليمية تتضمّن ضمانات مريحة في المنطقة لعدم تهديد سلاحها الصاروخي لدول المنطقة، وعلاقة إيران مع حلفائها وتأثيرها على الأمن الإقليمي عبر تسويات تشترك فيها مع دول المنطقة، ما عدا “إسرائيل”، وفق معادلة أن إيران لن تبدأ حرباً، وأن إيران سوف توظف علاقتها مع حلفائها لتعزيز فرص التسويات الوطنية لا مشاريع الحروب الداخلية أو الإقليمية.

ما حدث في جولة جنيف التفاوضية نجاح إيراني في إبعاد رهان الحرب ولو نسبياً ومؤقتاً، بانتظار ما تحمله أيام التفاوض القادمة، خصوصاً من رسائل إسرائيلية، وكيفية تأثيرها على الموقف الأميركي، وإذا ذهبت أميركا وإيران إلى اتفاق نووي، سوف تزداد قدرة الردع الإيرانية على منع أي حرب لاحقة، ويخيب رهان المراهنين.