Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر February 17, 2026
A A A
إسرائيل تمحو خطّ 67: فلسطين كلّها «لنا»
الكاتب: أيهم السهلي

كتب أيهم السهلي في “الأخبار”

 

أقرّت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أول من أمس، مخطّطاً استيطانياً من المُقرّر تنفيذه خلال السنوات المقبلة، يشمل بناء 2780 وحدة استيطانية في شمال القدس المحتلة، ويهدف، بحسب الرواية الرسمية، إلى توسيع مستوطنة «آدم» شمالي المدينة. لكنّ هذا المخطّط من شأنه أن يؤدّي إلى توسيع نطاق سيطرة بلدية القدس التابعة للاحتلال إلى ما وراء خط عام 1967، وذلك عبر خلق اتصال جغرافي بين الوحدات الاستيطانية الجديدة ومستوطنات قائمة بالفعل في القدس، وتحديداً تلك التي يسكنها «الحريديم» في «نافيه يعقوب»، علماً أن طريق الوصول إلى الحيّ الجديد سينطلق من هذه الأخيرة ويعود إليها. ووفقاً للقرار، سيُقام الحيّ على أراضٍ قريبة من مستوطنة «آدم»، في حين لا تربطه بـ«نافيه يعقوب» حالياً أيّ طرق مباشرة، رغم طرح إنشاء جسر يربط بينهما.

ويأتي المخطّط الجديد في سياق قرارات أوسع وأشمل، عنوانها الضمّ السياسي والأمني للضفة والقدس، صدّقت عليها حكومة الاحتلال في 8 شباط الجاري. وتستهدف تلك القرارات توسيع نطاق عمل جهات الإنفاذ التابعة للإدارة المدنية، ليشمل المناطق المُصنّفة «أ» و«ب»، والتي تشكّل 40% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية بموجب اتفاق «أوسلو». وبموجب القرارات الجديدة، بات في وسْع إسرائيل، تحت عناوين حماية مواقع التراث والآثار والبيئة والمياه، إصدار أوامر بهدم أو وقف البناء في مكان ترى أنه يضرّ بموقع أثري، أو بالبيئة، أو يخالف أنظمة المياه، وهو ما كان يعمل به فقط في المناطق «ج» الخاضغة للسيطرة الإدارية والأمنية للاحتلال، وفقاً للاتفاقية ذاتها.

كذلك، يأتي المخطّط المرتبط بمدينة القدس ترجمةً لخطة تسوية أراضي الضفة الغربية، التي تُعدّ الأولى منذ احتلالها عام 1967، وتهدف إلى تحويل مساحات من الأراضي الفلسطينية إلى أملاك «دولة إسرائيل»، وهو ما يتعارض بالمطلق مع القرارات الدولية الصادرة؛ إذ إنه يبيح تسجيل الأراضي الفلسطينية في «الطابو الإسرائيلي». وفي حال حدوث مثل هذا التسجيل، فسيكون من المستحيل الطعن فيه أمام المحاكم الإسرائيلية أو «المحكمة العليا الإسرائيلية»، مثلما يجري أحياناً خلال محاولة الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في بعض المناطق، بما فيها القدس.

يُثبِت واقع الأرض أن الاحتلال يُجهِز على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، ليس من اليوم، بل منذ اتفاق «أوسلو»

ويكرّس المخطّط الجديد، عملياً، إلى جانب القرارات الإسرائيلية الأخرى، بدء إسرائيل تطبيق قوانينها المعمول بها في الأراضي المحتلة عام 1948، على الأراضي المحتلة عام 1967. وبالتالي، فإن الواقع على الأرض، يعني أن حكومة الاحتلال تجعل فلسطين الانتدابية المعروفة قبل 15 أيار 1948، كلّها، أراضيَ تتبع لكيانها المنشأ في التاريخ المذكور. وفي نتيجة ذلك، قد تذهب إسرائيل في وقت من الأوقات إلى إخراج كلّ من ليسوا من «مواطنيها» إلى خارج حدود «الدولة»؛ علماً أنه في 19 آذار 2023، أي قبل الحرب الحالية، أنكر وزير مالية الاحتلال، بتسليئل سموتريتش، وجود الشعب الفلسطيني، معتبراً هذا الوجود اختراعاً وهمياً عمره لا يتجاوز الـ100 عام.

أكتوبر 2023
والواقع أنه ما كان بعد هذا الشهر الذي شهد بداية حرب ممتدّة حتى اليوم، يشبه كثيراً ما كان قبله على صعيد الاستيطان والضمّ المتصاعد للضفة وتهويد القدس؛ فمنذ النكبة، ومن ثمّ إتمام احتلال باقي فلسطين عام 1967، ظلّ الشغل الشاغل للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولرؤساء بلدية القدس، هو «أرض أكثر وفلسطينيون أقلّ». غير أن الاستيطان بعد 7 أكتوبر جاء بوتيرة أسرع، وأوضح، ومن دون انتباه أو اكتراث للقرارات الدولية، أو لمواقف الدول التي صادقت على بعض تلك القرارات التي تَصدر كلّ سنة تقريباً منذ عام 1948.
في هذا السياق، يشير الباحث المقدسي، خليل التفكجي، في مقال في «مجلة الدراسات الفلسطينية» (العدد 144)، ضمن ملف خاص بعنوان «الضفة الغربية: سياسات الضم والتهجير»، إلى أن سلطات الاحتلال أعلنت خلال أعوام الحرب (2023 – …) العديد من المشاريع الخطيرة في شرقي القدس، والتي ستؤدّي في حال عدم التصدّي لها إلى تغيير جغرافي وديمغرافي كبير في المدينة، وهو ما يحدث على الأرض فعلياً. ومن بين هذه المشاريع، «جورة النقاع» (كُبانية أم هارون)، «وادي السيليكون»، «مركز المدينة»، «تسوية الأملاك في القدس»، و«الحديقة القومية».

ويضاف إلى ما تقدّم، إحكام السيطرة على قرى في القدس، من مثل بيت صفافا جنوبي البلدة القديمة، حيث أقيمت مستوطنة «جيلو»، سنة 1971، على أجزاء من جنوبي القرية، وهي اليوم أكبر مستوطنات القدس. كذلك، استغلّ الاحتلال ظروف الحرب المستمرة، وأسّس 3500 وحدة سكنية جديدة، و1100 غرفة فندقية، ومستوطنة إضافية غربي القرية، أسماها «غفعات شاكيد». وبيت صفافا اليوم، مقسَّمة إلى 4 أجزاء متواصلة عن طريق الأنفاق، وقد عُزلت بالكامل عن القرى المجاورة. وإن كان هذا ما حدث ويحدث في هذه القرية، فهو مثال حيّ عن ما تشهده باقي قرى القدس، ومعظم أنحاء الضفة الغربية المحتلة.

إنهاء فكرة الدولة
قبل ثلاثين عاماً من الآن، ولد «أوسلو»، معيداً إحياء حلم دولة فلسطين – وعاصمتها «القدس الشرقية» – لدى بعض السياسيين الفلسطينيين، من أصحاب الاتفاقية الموقّعة عام 1993 في ساحة البيت الأبيض، فيما شرّعت القوانين التي اتخذتها الحكومات الفلسطينية المتعاقبة ذلك الحلم، وأعطته «فاعلية» ما على الأرض، أشعرت الفلسطينيين ببعض «السيادة» المجزوءة.
ومع ذلك، شهدت سنوات «أوسلو» تعزيز الاحتلال للاستيطان؛ وفي أيلول 2023، بيّنت الأرقام أن الاستيطان تضاعف 4 مرات عمّا كانه قبل عام 1993، إذ في العام السابق للاتفاق، كانت في الضفة 172 مستوطنة، فيها 248 ألف مستوطن. أمّا في عام 2023، فوصل عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية إلى 444، يسكنها 950 ألف مستوطن.
كلّ تلك الوقائع المتقدّمة قوّضت أرضية «الدولة الفلسطينية»، وقيّدت احتمال وجودها حتى، ولا سيّما أن رفض هذه الدولة لم يعُد موقفاً سياسياً إسرائيلياً فحسب، بل هو يُشرعَن بقوانين من مثل قرار الكنيست في 17 تموز 2024، الذي رفض إقامة دولة فلسطينية. وجاء هذا القرار بعد نحو شهرين على اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، قراراً يدعم طلب فلسطين الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وذلك بأغلبية 143 صوتاً، ومعارضة 9، وامتناع 25 عن التصويت.
هكذا، يُثبِت واقع الأرض أن الاحتلال يُجهِز على أيّ إمكانية لقيام دولة فلسطينية، ليس من اليوم، بل منذ اتفاق «أوسلو». وهو حوّل السلطة الفلسطينية، إلى ما يشبه «البلدية» التي تقوم بأعمال بالنيابة عنه، بما فيها بعض الأعمال الأمنية (أمس قتل الأمن الفلسطيني طفلاً وجرح طفلة في بلدة طمون، أثناء مطاردة المطارد للاحتلال سامر سمارة). ولعلّ أقلّ المطلوب اليوم من السلطة، إن كانت لديها إرادة، أن تدفّع إسرائيل ثمن احتلالها، كأن تدعها تتحمّل وحدها مسؤولية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، بما يشمل التعليم، والصحة، والعمل، والطعام، والشرب، والبنى التحتية لمدنهم وقراهم، وغير ذلك.