Beirut weather 16.88 ° C
تاريخ النشر February 17, 2026
A A A
هل تدفع مفاوضات واشنطن وموسكو أوروبا نحو حوار اضطراري مع روسيا؟
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في “البناء”

لماذا تتأرجح أوروبا حائرة، بين رغبتها بالحوار مع روسيا، والتردّد في الإقدام على ذلك، في حين باتت تدرك انّ تطورات الحرب في أوكرانيا تميل بالكامل لمصلحة روسيا ولا أمل بتغيير في موازين القوى في الميدان، فيما واشنطن تضغط باتجاه إيجاد تسوية تنهي الحرب، وتقود مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا في ابو ظبي، وجنيف، من دون مشاركة أوروبا.. فهل يؤدي ذلك الى دفع الأخيرة للمسارعة الى حسم موقفها وفتح حوار مع موسكو حتى لا تُهمّش وتصبح خارج اي اتفاق.
هذا السؤال يطرح نفسه في اجتماعات ولقاءات المسؤولين الأوروبيين…
فأوروبا تعيش مع بدايات عام 2026 حالة من الارتباك الاستراتيجي تجاه الملف الأوكراني، حيث تجد نفسها محاصرة بين “مطرقة” التفوق الميداني الروسي و”سندان” البراغماتية الأميركية التي تقودها إدارة ترامب.
ويمكن تلخيص أسباب هذا التردّد والمخاوف الأوروبية من التهميش في النقاط التالية:
أولاً: بين الطموح الأوروبي والواقع الميداني،
تدرك العواصم الأوروبية أنّ موازين القوى في الميدان تميل لصالح موسكو، وأنّ استنزاف الترسانات الأوروبية لم ينجح في تغيير المسار. ومع ذلك، يخشى المسؤولون الأوروبيون أن يؤدي الانخراط في حوار مباشر الآن إلى شرعنة المكاسب الميدانية الروسية، مما يضعف مبدأ “عدم تغيير الحدود بالقوة” الذي قام عليه الأمن الأوروبي لعقود.
ثانياً: المفاوضات وشبح تهميش أوروبا،
جرت في ابو ظبي مفاوضات ثلاثية ضمّت كلّ من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، بناءً على مبادرة أميركية لإنهاء الحرب.. وتقرّر مواصلة هذه المفاوضات في جنيف في ظلّ:
ـ غياب وقلق أوروبا: عدم دعوة الاتحاد الأوروبي كطرف أصيل في هذه المفاوضات أثار قلقاً بالغاً في بروكسل من التهميش.
ـ الخوف من “يالطا” جديدة: تخشى أوروبا من أن تبرم واشنطن وموسكو “صفقة عظمى”، ترسم ملامح الأمن الأوروبي الجديد دون أخذ المصالح الأوروبية في الاعتبار.
ثالثاً: الانقسام بين دول الاتحاد الأوروبي،
يسود واقع من الانقسام والتباين الحادّ في المواقف داخل القارة العجوز:
ـ الجناح المنفتح، وتقوده فرنسا وإيطاليا، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً إلى استئناف الحوار المباشر مع بوتين لضمان عدم خروج أوروبا من المعادلة. حتى ألمانيا، بلسان المستشار ميرتس، بدأت تصف روسيا كـ “جار أوروبي كبير” يجب التفاهم معه.
ـ الجناح المتشدد: تقوده بريطانيا ودول البلطيق وبولندا، حيث ترى أنّ أيّ حوار قبل انسحاب روسيا هو “استسلام” وتفويض لبوتين للتمادي مستقبلاً.
رابعاً: ضغط واشنطن لتحقيق التسوية وخيارات أوروبا المحدودة..
تضغط واشنطن باتجاه تسوية سريعة لإنهاء النزاع، معتبرة أنّ أمن أوكرانيا وأوروبا هو “مسؤولية أوروبية أولاً”. هذا التوجه يدفع أوروبا نحو خيارين أحلاهما مرّ:
*المسارعة للحوار: لضمان مقعد على طاولة المفاوضات.
*الاستمرار في التصعيد: وهو خيار يزداد صعوبة مع تراجع الدعم الأميركي العسكري والاستخباري والسياسي.
انطلاقاً مما تقدّم يطرح السؤال التالي:
هل تسارع أوروبا الى فتح قناة التفاوض مع موسكو؟.المؤشرات الحالية تشير إلى أن أوروبا بدأت بالفعل في “تليين” موقفها. التعيينات الأخيرة لمبعوثين أوروبيين خاصين للتسوية وتصريحات قادة “الثقل” الأوروبي (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا) توضح رغبة في فتح قناة اتصال موازية مع الكرملين لمنع تهميشهم من قبل واشنطن.
خلاصة القول: يبدو انّ أوروبا باتت تدرك أنّ قطار التسوية قد انطلق من أبو ظبي، ويستمرّ في جنيف بمحرك أميركي، مدفوعاً بحاجة الرئيس دونالد ترامب الماسّة الى إنجاز قبيل حلول الصيف لاستثماره في الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، ولذلك تحاول أوروبا الآن القفز إلى هذا القطار قبل أن يصل إلى محطته الأخيرة باتفاق لا يضمن لها حتى الحدّ الأدنى من ضماناتها الأمنية…