Beirut weather 20.74 ° C
تاريخ النشر February 16, 2026
A A A
لماذا يتقدَّم إحتمال تأجيل الإنتخابات؟
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”:

لا يزال مصير الانتخابات النيابية في لبنان غامضاً، ومعلقاً بين التنفيذ والتأجيل، في مشهد يعكس تعقيدات الإشكالات السياسية وتشابك الحسابات الداخلية والخارجية. فعلى الرغم من أن الاستحقاق النيابي يشكّل ركناً أساسياً في انتظام الحياة الدستورية، إلا أنّ النقاش الدائر حول تعديل قانون الانتخاب، وتضارب مواقف القوى السياسية داخل المجلس النيابي، جعلا من هذا الاستحقاق مادة تجاذب تتجاوز الإطار التقني، إلى حسابات تتصل بموازين القوى ومستقبل السلطة.
الانقسام لا يدور فقط حول تفاصيل تقنية كالتصويت الإغترابي وتقسيم الدوائر الانتخابية، بل حول سؤال جوهري: هل يتيح القانون الحالي إنتاج أكثرية نيابية جديدة تعكس التحولات التي شهدها لبنان أخيراً؟ أم أنه سيعيد إنتاج التوازنات ذاتها، ولو بأسماء مختلفة؟ هنا تحديداً يبرز اتجاه متنامٍ لترجيح خيار التأجيل لمدة أقصاها سنتين، دون إعتباره تعطيلًا للديمقراطية، بل بوصفه محاولة لإعادة صياغة شروط المنافسة الإنتخابية بما ينسجم مع التحولات السياسية الكبرى في البلد.
فلبنان شهد منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية محطة مفصلية أعادت رسم توازنات السلطة. ثم جاء تكليف القاضي نواف سلام رئيساً للحكومة ليؤشر إلى انتقال تدريجي نحو خطاب سيادي إصلاحي أكثر وضوحاً. وقد تعزز هذا المسار باتخاذ الحكومة قرارات سيادية وازنة، في مقدَّمها تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، والسعي إلى استعادة قرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الشرعية. هذه التحولات، وإن كانت لا تزال في طور التثبيت، فقد أحدثت تغييراً عميقاً في المشهد السياسي.
غير أن السؤال الذي تطرحه عواصم معنية بالملف اللبناني، وفق ما يتردد في الأوساط الدبلوماسية، يتمحور حول جدوى إجراء انتخابات وفق القانون الحالي، إذا كانت نتائجها لن تعكس هذه التحولات. فالحسابات الدقيقة تشير إلى أن البنية الانتخابية القائمة، بما تتضمنه من تحالفات ظرفية ونظام نسبي مُحاصر بسقوف طائفية، قد تؤدي إلى إعادة إنتاج المشهد نفسه تقريباً، لا سيّما بالنسبة للثنائي الشيعي خاصة. وفي هذه الحال، يصبح الاستحقاق مجرد إعادة تدوير للتركيبة الحالية ذاتها، من دون أن يفتح الباب أمام أكثرية متجانسة قادرة على مواكبة مسار الإصلاح والإنقاذ واستعادة دور الدولة.
من هذا المنطلق، يُطرح التأجيل كخيار سياسي لا تقني. تأجيل يتيح فسحة زمنية لإقرار تعديلات جوهرية على قانون الانتخاب، وربما لإعادة النظر في توزيع الدوائر، أو آلية احتساب الأصوات بما يعزِّز التمثيل العابر للطوائف، ويحدّ من قدرة القوى التقليدية على التحكّم بمفاصل اللعبة. كما يمنح القوى الصاعدة فرصة تنظيم صفوفها وبناء تحالفات أكثر تماسكاً، بدلاً من خوض معركة مبكِّرة في ظل قواعد قديمة، وتوجهات متنافرة كما حصل مع مجموعات التغييريِّين بُعيد إنتخابات ٢٠٢٢.
بطبيعة الحال، يثير هذا الطرح مخاوف مشروعة من العودة إلى سيرة التأجيلات السابقة وتداعياتها في الخروج عن إنتظام الحياة الدستورية. إذ إن التمديد للمجلس النيابي، حتى لو جاء تحت عنوان الإصلاح، هذه المرة، يمسّ بمبدأ التداول الدوري للسلطة. غير أن المدافعين عن التأجيل يجادلون بأن الضرورات الاستثنائية قد تبرّر إجراءات استثنائية، خصوصاً إذا كان الهدف تثبيت مسار سيادي إصلاحي، ومنع انتكاسه تحت وطأة إنتخابات لا تعكس الوقائع السياسية الجديدة.
يبقى أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في موعد الانتخابات، بل في مضمونها ونتائجها. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل قدرة النظام على إنتاج سلطة تعكس الإرادة العامة، وتتمكن من تنفيذ برنامج واضح. وإذا كانت الانتخابات المقبلة، وفق المعطيات الراهنة، لن تسفر عن موازين قوى جديدة تعزز مسيرة عودة الدولة وانتظام الحياة الدستورية، فإن السؤال يصبح مشروعاً: ما الجدوى من استعجال استحقاق قد يعيدنا إلى نقطة الصفر؟
مبادرة الرئيس نبيه برّي بتقديم أول ترشيح للإنتخابات المقبلة، ومعه عدد من نواب «حركة أمل»، جاءت كخطوة لا بد منها من رئيس مجلس النواب بالذات ، احتراماً للمهل الدستورية التي حددها قانون الإنتخابات الحالي، لذلك يستمر النقاش بين من يتمسك بإجراء الإستحقاق الإنتخابي في موعده حمايةً للمبدأ الدستوري، ومن يدفع نحو تأجيل مدروس لإعادة صياغة قواعد اللعبة بما يتوافق مع التحولات الداخلية والإقليمية، وما حملته من إضعاف لمحور الممانعة الذي تقوده إيران وحلفاؤها.
ثمة مؤشرات سياسية وديبلوماسية توحي بأن احتمال التأجيل لسنتين يتقدم، في انتظار نضوج الظروف التي تضمن أن يكون الاستحقاق المقبل محطة تأسيسية فعلية للمرحلة الجديدة في إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات، وإستعادة الثقة الداخلية والخارجية، لا مجرد استحقاق عابر في مسار المراوحة العاجزة عن إخراج البلاد والعباد من دوامة الأزمات المتناسلة.