Beirut weather 20.96 ° C
تاريخ النشر February 16, 2026
A A A
بين النصّ والاجتهاد… هل تتحوّل الانتخابات النيابية إلى إشكال دستوري؟
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

في خضمّ التحضيرات للانتخابات النيابية المقبلة، برز
جواب هيئة الاستشارات في وزارة العدل على سؤال وزير الداخلية أحمد الحجار حول كيفية انتخاب المغتربين في ظل استحالة تطبيق الدائرة 16.
وقد جاء جواب الهيئة، مع التحفّظ على مسألة إلغاء الدائرة 16 من دون تشريع نيابي أو من دون تطبيقها عبر مراسيم تطبيقية.
وردّاً على سؤال الوزارة بشكل مباشر، أكّدت الهيئة إعطاء الحق للمنتشرين بالاقتراع من الخارج في الدوائر الـ15، كما حصل في الدورة السابقة.
هذا الجواب اعاد النقاش إلى جوهر المسألة القانونية، بعيداً من السجال السياسي التقليدي حيث حذر قانونيون من خطورة تجاوز النصوص النافذة تحت عنوان الاستشارات أو الآراء غير الملزمة.
ينطلق هؤلاء القانونيون من قاعدة بديهية في الفقه الدستوري: لا يمكن تعديل قانون نافذ أو تعليق العمل به عبر رأي استشاري أو قرار إداري. فالتشريع، وفق مبدأ فصل السلطات، هو من اختصاص السلطة التشريعية وحدها، أي مجلس النواب. وبالتالي، أي مسار يتجاوز هذه الآلية يُعدّ مسًّاً بهرمية القواعد القانونية.
الجدل يتمحور حول الدائرة 16 الخاصة بانتخاب المغتربين، المنصوص عليها صراحة في قانون الانتخابات. النصّ واضح لجهة إنشاء هذه الدائرة وضرورة انتخاب ستة نواب يمثلون الانتشار اللبناني. وعليه، فإن أي مقاربة لا تلتزم هذا النص تطرح إشكالية تتعلّق بشرعية الإجراء ومشروعيته.
بحسب القراءة القانونية، الرأي الصادر عن هيئة استشارية—أياً كانت أهميته—لا يملك قوة تعديل النصوص. فالاجتهاد الإداري لا يمكن أن يحلّ محل التشريع. وإذا اعتمدت وزارة الداخلية تفسيراً يتعارض مع حرفية القانون، فإنها تدخل في منطقة رمادية قد تُفسَّر كتجاوز للصلاحيات.
من هنا، يأتي التشديد على ضرورة أن ترفع وزارة الداخلية الاقتراحات التطبيقية إلى مجلس الوزراء، ليصدر القرار ضمن الأطر الدستورية الواضحة، لا أن يُبنى المسار الانتخابي على رأي قابل للنقاش والطعن.
ويحذّر القانونيون من تكريس سابقة خطيرة: إذا أمكن تعليق أو تعديل تنفيذ نص انتخابي عبر استشارة، فما الذي يمنع تكرار الأمر في قوانين أخرى؟ هنا يكمن جوهر الاعتراض، إذ إن المسألة لا تتعلق فقط بمقاعد الاغتراب، بل بمبدأ استقرار النصوص القانونية ومنع التلاعب بها وفق توازنات ظرفية.
في الأنظمة الديمقراطية، القاعدة واضحة: تعديل القوانين يتم بقانون، لا بتفسير إداري موسّع. وأي التفاف على هذه الآلية يفتح الباب أمام طعون دستورية قد تهدد العملية الانتخابية برمتها.
بين السياسة والقانون
لا شك أن للملف أبعادًا سياسية، لكن الإشكال المطروح يتجاوز الحسابات الانتخابية. فالانتخابات ليست مجرد استحقاق دوري، بل هي ركيزة الشرعية الشعبية. وأي خلل في سلامة الإجراءات ينعكس مباشرة على شرعية النتائج.
من هنا، تبدو الدعوة إلى احترام الأصول الدستورية بمثابة تحصين مسبق للعملية الانتخابية، كي لا تتحول إلى مادة نزاع قضائي أو دستوري بعد إجرائها.
سواء كنا مع تصويت المغتربين للدوائر الـ ١٥ او مع الدائرة الـ ١٦، فإن النقاش اليوم يسلّط الضوء على مسألة أساسية: لا يمكن إدارة الاستحقاقات الكبرى بمنطق الاجتهاد الإداري إذا كان النص واضحاً وصريحًاً فالقاعدة القانونية لا تُعلَّق إلا بقانون، ولا يُتجاوز مجلس النواب في صلاحياته.
وفي بلد اعتاد الأزمات الدستورية، يبقى احترام النصوص هو الضمانة الوحيدة لانتخابات لا تشوبها شبهة تجاوز أو طعن… لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على الاقتراع، بل على سلامة المسار الذي يقود إليه.