Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر February 14, 2026
A A A
مفاوضات مسقط: سيناريوهات متناقضة تعزز الغموض!
الكاتب: جورج شاهين

كتب جورج شاهين في “الجمهورية”

 

 

طالما أنّ السباق ما زال قائماً بين الخيارات الديبلوماسية والعسكرية، فإنّ الحديث عن نتائج مفاوضات مسقط بين طهران وواشنطن ما زال مستحيلاً. ذلك أنّ الربط بين ما يمكن أن تقود إليه، والمساعي الإسرائيلية وراء اتفاق شامل يضمّ الصواريخ ومصير الأذرع الإيرانية إلى الملف النووي، بقي السؤال غامضاً إن أرادت واشنطن اتفاقاً قبل اجتماع مجلس السلام الخميس المقبل، لينتفي معها الحديث عن مهل طويلة الأمد. وعليه، ما الذي يؤدّي إلى تقدّم أي من هذه الخيارات؟

 

في انتظار الجولة الثانية من مفاوضات مسقط بين واشنطن وطهران، يبدو أنّ اليَد الأميركية ما زالت على الزناد في مقابل مجموعة من الأيدي وُضِعَت على القلوب ترقّباً لأي مفاجأة محتملة في أي لحظة. تزامناً مع جولة واسعة للأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني على مسقط والدوحة، ناقلاً إجابات أولية عن مجموعة الطروحات الأميركية، مقدِّماً سلسلة من العروض التي تحاكيها، من دون الإشارة إلى أي تنازلات محتملة تجاه السقوف العالية المرفوعة في واشنطن وتل أبيب على الأقل حتى الساعة. وكل ذلك يتمّ على تماس مع حراك إسرائيلي، تُوِّج بالزيارة السابعة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي، من دون أن تنتهي إلى أي مؤتمر صحافي أو بيان مشترك، بعد مجموعة الاجتماعات التي عقدها، ومنها لقاء الساعات الثلاث مع ترامب.

على هذه الخلفيات، توسعت المخيّلات في تقديم مجموعة من السيناريوهات التي تحاكي جوانب محدّدة ممّا هو معلن من مسار المفاوضات، في ظل كثير ممّا لا يزال غامضاً. طالما أنّ المراقبين لم يتمكنوا بعد من وضع جدول مقارنة، أو جردة بالعناوين التي يمكن التوافق عليها، وتلك التي ما زالت تُشكّل خلافاً كبيراً بين النظرتَين الأميركية والإيرانية، لما يمكن أن تؤدّي إليه المفاوضات في ظل موازين القوى التي لا تجوز المقارنة في ما بينها في أي شكل من الأشكال.

ولذلك، لم تستغرب المراجع الديبلوماسية والسياسية استمرار المواقف المتناقضة، مع ما تسبّبت به من جدل قد لا ينتهي في وقت قريب، إذ يمكن أن تتسبّب بتقدُّم الخيار العسكري في أي لحظة من اللحظات على كل الخيارات الديبلوماسية. وهو أمر طبيعي جداً، بعدما جزم الرئيس ترامب في موازاة التعليمات التي أُعطِيَت لتوجيه حاملة طائرات ثانية إلى مسرح العمليات العسكرية، بأنّ إيران «لن تمتلك أسلحة نووية ولا صواريخ»، في وقت يؤكّد المسؤولون الإيرانيّون أنّ المفاوضات لم تتناول بعد سوى الملف النووي، بعدما لفتوا إلى سلسلة من العروض التي تعني مصير النووي، ولا سيما منها تلك التي قالت بتبادل المصالح، فيكون مصير التطوُّر النووي رهن تفكيك بعض العقوبات التي تتعرّض لها إيران، من دون أي إشارة إلى مصير منظومة الصواريخ البالستية الموضوعة على لائحة الخطوط الحمر، ولا إلى أذرعها في المنطقة والعالم.

وما زاد في الطين بلّة، أن تنتهي زيارة نتنياهو لواشنطن إلى بروز مزيد من الغموض حول ما تمّ التفاهم عليه، نتيجة عدم صدور أي بيان مشترك كالعادة، وترك الأمر للرجلَين للكشف بالتقسيط عمّا دار فيه. فترامب كان واضحاً بأنّ اللقاء لم يؤدِّ إلى أي «تفاهم نهائي»، وأنّه أبلغ إلى زائره أنّ «الأولوية ما زالت للمفاوضات الديبلوماسية مع إيران، لكن ليس إلى ما لا نهاية». وهو ما فتح نقاشاً حول وجود مهلة معيّنة طلبتها واشنطن للحصول على أجوبة إيرانية واضحة وصريحة، ففتحت التكهّنات على مصراعَيها لما يمكن أن يتوقعه البعض من خطوات محتملة، في حال لم يأتِ الجواب سريعاً، في ظل الإنقسام بين مَن يقول إنّ المهلة قصيرة وقد لا تتجاوز الموعد المحدَّد لاجتماع «مجلس السلام» العالمي الذي دُعيَ أعضاؤه إلى لقاء في واشنطن الخميس المقبل، بعدما استبعد آخرون هذا الأمر في ظل التعقيدات التي تتحكّم بمسارات المفاوضات المتشعّبة بين ما هو عسكري ونووي وسياسي ومالي وديبلوماسي.

وما يعزّز هذه المخاوف، أنّ هناك مَن يتوقع وجوب التوصّل إلى تفاهمات سريعة مع طهران لتوجّه إليها الدعوة للإنضمام إلى أعمال «مجلس السلام» تنفيذاً لوعد سابق قطعه من شرم الشيخ بضمّها إليه، فلا تبقى خارج المشهد الذي يُشكّله المجلس. وقد ضَمَن الموافقة الإسرائيلية في الساعات الأخيرة التي سبقت لقاء البيت الأبيض، وبعد تحديد موعد اجتماعه الأول في اللقاء الذي جمعه بوزير الخارجية، الذي كان متردّداً في خطوته، نتيجة مجموعة الملاحظات السلبية على هيكليّته وآلية عمله، ممّا ترجمه باعتذاره سلفاً عن المشاركة في الاجتماع بعد عودته إلى تل أبيب.

وعليه، فقد أضافت مواقف نتنياهو التي خالفت بعضاً ممّا تحدّث عنه ترامب، مزيداً من الغموض، بعدما أكّد أنّه أقنع الجانب الأميركي بجعل منظومات الصواريخ ومصير الأذرع الإيرانية من ضمن التفاهم على أي خطوة في الملف النووي، من دون أن يخفي استعداد بلاده للقيام بأي عمل عسكري قد يفرضه التردُّد الإيراني في هذا الشأن. وهو ما عزّز وجود الشكوك الإسرائيلية بالنيات الأميركية التي سبقت زيارته، خوفاً من تأجيل البحث في مفاوضات مسقط بالسلة الكاملة، التي تلاقت مع التحذيرات الإيرانية لواشنطن، ولو لأسباب مختلفة تتصل بعدم الأخذ بالاقتراحات الإسرائيلية الهدّامة والجهنّمية، كما سمّاها أكثر من مسؤول إيراني.