Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر February 14, 2026
A A A
هل يُحسن لبنان إدارة الوقت بانتظار رسم التوازنات؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

ليس موضوعنا هنا مناقشة الأطراف بطبيعة خياراتهم ومدى اتفاقنا واختلافنا حولها، وقد بات معلوماً أن رغبة الحكم والحكومة في لبنان هي النجاح في إنهاء ملف سلاح المقاومة بمعزل عن مسار يبدو مقفلاً لفرض الانسحاب ووقف الاعتداءات على جيش الاحتلال دون تسديد ثمن باهظ من حساب السيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً، يبدو بعض السلطة مستعداً لمناقشته بانفتاح وصولاً للاستعداد لتوقيع اتفاق يحلّ مكان القرار 1701 والقرار 425 واتفاق وقف إطلاق النار ويعكس الرؤية الإسرائيلية لموازين القوى بعد الحرب الأخيرة، ويواكب اتفاقاً مشابهاً تعرضه “إسرائيل” وتشجّع عليه أميركا بين سورية و”إسرائيل”، خصوصاً أن الاتفاق السوري الإسرائيلي يحتاج الاتفاق اللبناني الإسرائيلي لأكثر من تبرير المشروعية، انطلاقاً من أن القيمة الاقتصادية للمنطقة السورية العازلة في جبل الشيخ ترتبط بوجود المنفذ البحريّ الذي تؤمنه المنطقة اللبنانية.

 

– لا نريد مناقشة صحة ووطنية هذه الخيارات، ولا صحة ووطنية الاستعداد للتفريط بسلاح المقاومة، بل مدى النضج السياسي في صناعة القرار اللبناني في مرحلة تبدو مرحلة انتظار رسم التوازنات النهائيّة وقد تمتد بين عدة شهور وعام كامل، ولعل مشهد التنقل السريع من خيار الحرب إلى خيار التفاوض بين أميركا وإيران دون التراجع عن خيار الحرب نهائياً خير تعبير عن المرحلة الانتقالية وتقلباتها، وما دامت أميركا الدولة العظمى التي تقوم بصياغة اتجاه المنطقة نحو الحروب أو التسويات، غير واثقة من الوجهة التي سوف تسلكها في ظل تعادل مقدار المخاطر وعدم الاطمئنان إلى النتائج في كل من الحالتين، ومَن يراقب السلوك الأميركي في ساحات مجاورة ومتصلة بلبنان يسهل عليه اكتشاف الطابع الانتقالي للخطوات الأميركية.

 

– في سورية يكفي النظر إلى تزامن الانسحاب من قاعدة التنف والبقاء في قواعد الشمال الشرقي ضمن خطة تخفيض تدريجية للقوات، ونقل المعتقلين من تنظيم داعش وأغلبهم من السوريين من سورية إلى العراق رغم كل الكلام عن الثقة بدور الحكم السوريّ الجديد في التحالف الدولي لمحاربة داعش، بدلاً من تسليمهم للأجهزة الأمنية السورية ما دامت موثوقة في العداء لتنظيم داعش، كما يكفي التمعن في الاتفاق النهائي الذي رعته واشنطن بين قسد وحكومة دمشق، والتوقف أمام استبدال صيغة دمج قوات قسد كأفراد ينتسبون إلى القوات الحكومية بصيغة تشكيل فرقة خاصة بقسد ضمن وزارة الدفاع، وتكليف قوات الأمن الكردية التابعة لقسد بحفظ الأمن في المناطق ذات الغالبية الكردية.

 

– في غزة تجري عملية شراء للوقت بتقاسم مناطق غزة بين خطط متعاكسة الاتجاه، فالرئيس الأميركيّ مستعدّ للاكتفاء بالاستعراض والحديث عن إنجازات، بأن يعقد اجتماعاً لمجلس السلام الذي يترأسه، وأن يعلن عن إرسال نواة القوات الدولية المخصصة لغزة دون حسم مصير المشاركة المحوريّة لتركيا فيها، ويقبل أن تنتشر في منطقة رفح وتضمن انتقال اللجنة المدنيّة لإدارة غزة إلى رفح ويبدأ رفع الركام ورسم خطط الإعمار هناك، فتصبح رفح هي نقطة انطلاق خطة ترامب، وحولها سيطرة إسرائيلية على شرق غزة دون انسحابات ودون فتح فعلي للمعابر ودون تدفق فعلي للمساعدات، ومنطقة غرب غزة تسيطر عليها حماس تتعرّض للاستهداف الإسرائيلي بالغارات والحصار والاغتيالات، دون تدخل وضغط أميركي لوقف هذا الوضع.

 

– في العراق بعدما قال الرئيس ترامب إن تسمية القيادي العراقي نوري المالكي لرئاسة الحكومة يعني قطيعة أميركية عراقية، رفض أمس تجديد موقفه مكتفياً بالقول “سوف نرى ماذا سيحدث”، ما يعني اعادة فتح الباب لفرضية التأقلم مع تسمية المالكي ضمن ترتيبات تتصل برسم التوازنات، وفقاً لاتجاه العلاقة مع إيران نحو الحرب أو نحو التسوية، ويبدو موقف ترامب خلال زيارة بنيامين نتنياهو لواشنطن مؤخراً تعبيراً عن المنهجية ذاتها، التريث بانتظار ما سيحدث، ومعلوم أن الوقت اللازم لتبلور الاتجاه النهائي للتوازنات غير محدد وليس بيد أحد تحديده، لأن التعقيد الذي يحيط بفرص الحرب والتسويات يصعب الحسم فيه.

 

– في لبنان عملية تحريض على مدار الساعة لدفع الدولة إلى الصدام مع المقاومة، بينما يستطيع المسؤول اللبناني أن يقول للأميركي إذا قارنا ما قدّمته المقاومة بما قدّمته قسد في الحرب ضد داعش استحقت المقاومة مكافأة مشابهة للأسباب ذاتها، لمكافأة قسد بالحفاظ على نواتها الصلبة بنية مستقلة متماسكة ومنحها إدارة أمن مناطق بيئتها الحاضنة، وليس المطلوب شرعنة المقاومة ونواتها الصلبة أسوة بقسد ولا منحها حكماً ذاتياً لجغرافيا لبنانية على حساب مؤسسات الدولة، بل غضّ النظر عن وجودها المسلح المستقل وغير المرئي وغير المفعّل، والذي يسلّم للدولة بإدارة ملف الاحتلال والاعتداءات، على الأقل بانتظار تبلور صورة التوازنات التي تنتظرها دولة عظمى مثل أميركا ولا تعتبر ذلك ضعفاً وتراجعاً.

 

– عسى العقلاء يقرأون.