Beirut weather 22.99 ° C
تاريخ النشر February 13, 2026
A A A
المفاوضات ماضية… رغم الضغوط | أميركا – إيران: الاتفاق غير مضمون
الكاتب: يحيى دبوق

كتب يحيى دبوق في الأخبار

كشف اللقاء المغلق الذي استمرّ لثلاث ساعات، بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، عن تباين حول واحدة من أخطر المسائل الإقليمية بالنسبة إلى الطرفين، ألا وهي كيفية مواجهة إيران. وفور انتهاء اللقاء، اختصر ترامب جوهر النقاش بجملة واحدة، إنما ذات دلالة بالغة: «لم نتوصّل إلى شيء قطعي، سوى أنني أصررتُ على أن تستمر المفاوضات مع إيران». في المقابل، اكتفى بيان مكتب نتنياهو بالإشارة إلى أن الأخير «شدد على متطلبات أمن إسرائيل في سياق هذه المفاوضات»، مع تأكيد استمرار «التنسيق الوثيق»، في ما يهدف، على الغالب، إلى التستر على التباين الجوهري في ما يتعلّق بمنهجية التعامل مع طهران.

وينبئ مصطلح «الإصرار» الذي استخدمه ترامب، بأن الأخير واجه ضغوطاً من نتنياهو، الذي سبق وأن عجّل في موعد زيارته سعياً منه إلى فرض شروط أوسع على أيّ اتفاق محتمل، تشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي لإيران. وإذ تهدّد الشروط المشار إليها بتعقيد المسار التفاوضي، وربما شلّه حتى، فقد رفض ترامب، على ما يبدو، أن تتحوّل مطالب إسرائيل إلى عائق أمام التوصّل إلى اتفاق جزئي، يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي.

 

وفي حين لا يرقى هذا التباين إلى مستوى «الشرخ الاستراتيجي»، فهو يمكن حصره في إطار «الخلاف التكتيكي» بين حليفين يتفقان، بشكل كامل، على «التهديد» الذي تشكّله طهران على مصالحهما، ويختلفان، في المقابل، على «تشخيص مستوى هذا التهديد»، وتصنيفه على سلّمَي أولوياتهما، جنباً إلى جنب الأثمان التي يمكن دفعها لمواجهته. وإذ يرى صنّاع السياسة في إسرائيل أن جوهر النظام الإيراني يجعل منه بمنزلة «تهديد وجودي»، وبالتالي، لا مانع من دفع أثمان باهظة لمواجهته، تعتبر واشنطن، في المقابل، أن مواجهة التهديد النووي «الملموس» هي وحدها التي تستحقّ عناء «التكلفة». وعلى خلفية ذلك، يرى ترامب أن «اتفاقاً نووياً محدوداً» يبقى أفضل من لا شيء»، بينما يتمسك نتنياهو بمبدأ أن عدم التوصل إلى اتفاق يظلّ أفضل من صفقة تكون بمنزلة «حبل نجاة للنظام»، تقيّد الأخير «نووياً» على حساب ما يعتبرها «فرصة لن تتكرر لإسقاطه».

 

يدور نقاش بين واشنطن وتل أبيب حول «خطة عسكرية بديلة» في حال انهيار المفاوضات

 

 

وبصورة أعمّ، وفي حين لا يمكن النظر إلى «إصرار» ترامب باعتباره رفضاً لمطالب نتنياهو كافة، إلا أنّه يعدّ بمنزلة مؤشر على أن القرار النهائي يُتخذ في واشنطن، وأن مصالح تل أبيب، رغم أهميتها، لا تمنح الأخيرة حق تعطيل المسار الذي تقرّره الإدارة الأميركية. في الوقت نفسه، لا يشير موقف الرئيس الأميركي، بالضرورة، إلى أن مسار المفاوضات بات بلا عراقيل، وأن التمسك باستمرارها يعادل نجاحها، بل هو يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية يمكن أن تفضي إلى تسوية، أو إلى مواجهة لم يتمّ حتى اللحظة تحديد شكلها، على حدّ سواء. أمّا الإنجاز الوحيد إلى الآن، فيتمثل في نجاة المسار التفاوضي من محاولة إسرائيلية لنسفه قبل بدء جولته الثانية.

على أنه حتى التوصل إلى اتفاق جزئي يقتصر على الملف النووي لن يكون تلقائياً، ولا سيما بالنظر إلى العراقيل الهيكلية المحيطة به؛ إذ لا تزال الهوة واسعة بين ما تطلبه واشنطن، أي وقف التخصيب تماماً والتخلّي عن المخزون الحالي من اليورانيوم المخصب، وما تبدو طهران مستعدة للقبول به، والمتمثل بالحق في التخصيب السلمي وفقاً لمعاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية. كما تمتدّ الخلافات إلى جوانب أخرى، من مثل مدّة الاتفاق ومصير آلاف الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب الموجود حالياً لدى إيران، وآليات التحقق التي ترفض الأخيرة السماح بها خارج الأطر المعلنة، ناهيك بمطالبها برفع العقوبات.

 

وفي ظلّ هذه الفجوة، تسهم مواقف واشنطن «الجامدة»، حتى اللحظة، واقترانها بزيادة الضغط العسكري، في تقويض المسار التفاوضي وتضييق فرصة التوصل إلى تسويات في الملفات المشار إليها؛ فكلّما زاد التلويح بالخيار العسكري، قلّ هامش المرونة التفاوضية، وبات التهديد بمنزلة سيف ذي حدّين، كونه يسهم، من جهة، في الضغط على إيران، ويقيّد، من جهة أخرى، قدرة المفاوض الأميركي على تقديم تنازلات والتوصّل إلى تسويات، من دون المخاطرة بفقدان مصداقيته.

أما تصريحات ترامب الأخيرة، فلم تفعل أكثر من ترسيخ حالة الغموض التي لا تزال تسود المنطقة. إذ أكّد أنه «إذا لم يكن ذلك ممكناً، – أي التوصل إلى اتفاق – فسنرى ما ستكون النتيجة»؛ وبهذا، فهو يمنح نفسه هامش مناورة واسعاً، من خلال إبقاء القوة العسكرية كعامل ضغط، إنما من دون الالتزام الصريح باستخدامها أو استبعادها. على أن الثابت يبقى أن نتنياهو فشل، على ما يبدو، في دفع ترامب إلى ما لا يريده، بعدما اصطدمت مهمّته الرئيسية المتمثلة بتعطيل المسار التفاوضي عبر فرض شروط تعجيزية عليه، بـ«إصرار» أميركي على مواصلة المفاوضات ولو في صيغتها النووية المحدودة.

مع ذلك، أكدت التسريبات من اللقاء المغلق، وجود «تنسيق وثيق» حول كلّ السيناريوات المحتملة، وضمانات بأن واشنطن لن تبرم اتفاقاً يمسّ المصالح الإسرائيلية الجوهرية من دون مشاورة تل أبيب. كما كان لافتاً حديث تقارير إسرائيلة عن نقاش يدور حول «خطة بديلة» في حال انهيار المفاوضات، تشمل «مسار عمل عسكري مشترك». رغم أهمية تلك النقاط، إلا أنها تبقى، حتى اللحظة، بمنزلة مكاسب ثانوية، في خضمّ عجز إسرائيلي عن فرض شروط تتعارض مع الحسابات الأميركية.