Beirut weather 19.1 ° C
تاريخ النشر February 12, 2026
A A A
كارثة بيئية صامتة: النفايات الصلبة الصناعية تهدد مستقبل المياه والتربة في لبنان
الكاتب: شانتال عاصي - الديار

خلف كل منتج صناعي نستهلكه، هناك مخلفات قد تمنحنا الازدهار أو توردنا المهالك. وفي ظل التدهور البيئي المستمر، عادت أزمة النفايات الصلبة الصناعية لتتصدر المشهد في لبنان، خاصة في قلب “شريان الحياة” بقطاع البقاع وحوض الليطاني. إن المعركة اليوم ليست في التصنيع نفسه، بل في “الأثر المتبقي” وكيفية التخلص منه. ومن هنا، يأتي تحذير المصلحة الوطنية لنهر الليطاني كصرخة في وجه الإهمال، مطالبةً وزارتي البيئة والصناعة بتشديد القبضة الرقابية وتفعيل التفتيش، لضمان ألا تدفع مواردنا الطبيعية وصحتنا ثمن النمو الصناعي غير المنضبط.

النفايات الصلبة الصناعية… ما الذي يجعلها خطرة؟

لا تشبه النفايات الصناعية تلك التي نخرجها من منازلنا كل يوم، فهي ليست مجرد بقايا طعام أو ورق، بل هي مزيج معقد من الكيمياء والمعادن الثقيلة التي لا تقبل التحلل بسهولة. نحن نتحدث عن “مخلفات خفية” تحمل في طياتها الرصاص، والزئبق، ومواد قابلة للاشتعال، تسكن في التربة وتتسلل إلى باطن الأرض بصمت. وحين يتم التخلص منها بعشوائية، فإننا لا نلقي نفايات فحسب، بل نزرع سمومًا في عروق الأرض، لتتحول الأنهار التي نعتمد عليها والمياه الجوفية التي تروينا إلى ناقلات للأمراض.

تكمن الخديعة الكبرى في هذه السموم بأنها “عدو صامت”، فهي لا تقتل الزرع فورًا، بل تتراكم فيه يوماً بعد يوم. التربة التي تلوثت بالمعادن الثقيلة لا تموت وحدها، بل تنقل موتها إلى الخضار والفاكهة التي تصل إلى بيوتنا، لتجد هذه العناصر السامة طريقها في النهاية إلى أجسادنا وأجساد أطفالنا عبر السلسلة الغذائية. إن وصول هذه الملوثات إلى مصادر مياه الشرب والري ليس مجرد كارثة بيئية تقنية، بل هو تهديد مباشر لسلامتنا الجسدية ولأمننا الغذائي، يجعل من كوب الماء أو حبة الفاكهة مصدرًا محتملًا للقلق بدلا من أن يكون مصدرا للحياة.

فالتربة الملوثة بهذه المعادن لا تفقد خصوبتها فحسب، بل تتحول إلى خزان للسموم. هذه العناصر، كالرصاص مثلا، لا تختفي، بل تنتقل من الأرض إلى جذور الخضروات، ومنها إلى السلسلة الغذائية لتستقر في نهاية المطاف في أجسادنا. إن الأرقام الصادمة التي تربط بين تلوث حوض الليطاني وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة في المناطق المحيطة به، ليست مجرد مصادفة، بل هي النتيجة الحتمية لتحول “النعمة الصناعية” إلى “نقمة بيئية” بسبب غياب محطات المعالجة المتخصصة والرقابة الصارمة.

نهاية مسار المعالجة… الحلقة الأضعف في الإدارة البيئية

رغم وجود تشريعات تنظم عملية إدارة النفايات في لبنان، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في التطبيق الفعلي، خصوصًا في المرحلة النهائية من مسار المعالجة. فبعض المصانع قد تلتزم بإجراءات المعالجة الأولية، لكنها لا تضمن التخلص الآمن من الرواسب أو البقايا الصلبة الناتجة من هذه العمليات.

وتبرز هنا أهمية الرقابة على ما يُعرف بالنقطة الأخيرة في دورة النفايات، أي مرحلة الطمر أو النقل إلى مواقع المعالجة النهائية. ففي حال غياب المتابعة الدقيقة، قد يتم التخلص من هذه المخلفات في مكبات عشوائية أو مواقع غير مجهزة، ما يؤدي إلى تسرب العصارة الملوثة إلى التربة والمياه، أو إلى حرقها في الهواء الطلق، وهو ما يطلق ملوثات خطرة مثل الديوكسينات والمواد المسرطنة.

التأثير في نهر الليطاني والمياه الجوفية

يمثل حوض نهر الليطاني الحكاية الكاملة لعلاقة اللبناني المتوترة مع بيئته. هذا النهر، الذي طالما كان “الأب” لكل مزارع في البقاع والجنوب، وشريان الكرامة للزراعة والري وإنتاج الطاقة، يجد نفسه اليوم مثقلا بما لا طاقة له به. فخلف كل مشهد جميل للنهر، تختبئ ندوب التلوث الصناعي. وعندما تعجز المصانع عن إدارة نفاياتها الصلبة بمسؤولية، تتحول أمطار الخير إلى نقمة، إذ تجرف السيول تلك البقايا الكيميائية لتصبها في قلب النهر، محولةً مياهه العذبة إلى مزيج قلق من المواد التي تهدد كل من يلمسها.

لكن المأساة الحقيقية ليست فقط في ما تراه أعيننا على ضفاف النهر، بل في ذلك “التسرب الصامت” الذي يغوص في أعماق الأرض. فالعديد من قرانا وبلداتنا تعيش على أمل المياه الجوفية التي تسكن باطن أرضنا، غير مدركة أن المكبات العشوائية والنفايات الصناعية غير المعالجة تعمل كـ “حقنة سامة” تتغلغل ببطء نحو تلك الخزانات الطبيعية.

إن هذا التلوث الجوفي هو أصعب أنواع المعارك البيئية؛ فهو لا يزول بمرور موسم أو اثنين، بل يمتد لعقود، محولاً ثروتنا المائية إلى إرث مثقل بالسموم. إن تكلفة إهمالنا اليوم لن تُقاس فقط بالمليارات التي سنحتاج إليها لإعادة تأهيل هذه الموارد مستقبلا، بل ستُقاس بصحة أطفالنا الذين يشربون من هذه الأرض، وبمستقبل القرى التي قد تجد نفسها يومًا ما بلا قطرة ماء صالحة للحياة.

الصحة العامة في دائرة الخطر

لا يمكن فصل البعد البيئي عن البعد الصحي. فالتعرض المستمر لملوثات صناعية، سواء عبر المياه أو الهواء أو التربة، يرتبط بزيادة معدلات أمراض الجهاز التنفسي، والسرطان، واضطرابات الجهاز العصبي. كما أن العمال في مواقع غير مؤهلة لإدارة النفايات قد يتعرضون مباشرة لمواد خطرة دون حماية كافية.

وتشير الدراسات البيئية إلى أن المجتمعات القريبة من المناطق الصناعية تكون أكثر عرضة لمخاطر التلوث في حال غياب الرقابة الصارمة. لذلك، فإن إدارة النفايات الصلبة الصناعية ليست مجرد قضية تنظيمية، بل مسألة تتعلق بحق المواطنين في بيئة سليمة وصحية.

نحو إدارة مستدامة للنفايات الصناعية

إن الحل لا يقتصر على تشديد الرقابة فحسب، بل يتطلب تحولًا أوسع نحو مفهوم الإدارة المستدامة للنفايات. ويشمل ذلك تقليل إنتاج النفايات من المصدر، واعتماد تقنيات نظيفة في العمليات الصناعية، وتشجيع إعادة الاستخدام والتدوير حيثما أمكن.

كما أن تطوير بنية تحتية متخصصة لمعالجة النفايات الصناعية الصلبة، وفق معايير بيئية صارمة، يمثل خطوة أساسية لتقليل المخاطر. فوجود مواقع طمر هندسية مجهزة بأنظمة عزل ومراقبة للعصارة والغازات، يقلل بشكل كبير من احتمالات التلوث.

في المحصلة، تتطلب مواجهة مخاطر النفايات الصلبة الصناعية تعاونًا فعالًا بين الدولة والقطاع الصناعي والمجتمع المدني، مع التزام صارم بالمعايير البيئية وتفعيل الرقابة والشفافية. فالتراخي اليوم يضاعف الأعباء البيئية والاقتصادية غدًا، بينما يضمن النهج الوقائي حماية الموارد الطبيعية وصحة الإنسان، ويوازن بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية.

فهل يمكن للبنان تحقيق هذا التوازن فعليًا قبل أن تتحول النفايات الصناعية إلى أزمة بيئية لا يمكن السيطرة عليها؟