Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر February 12, 2026
A A A
من التخصصات التقليدية إلى الرقمية: وجه التعليم يتغيّر
الكاتب: فاتن الحاج

كتبت فاتن الحاج في “الأخبار”:

في السنوات الخمس الأخيرة، اندفعت «الجامعة اللبنانية» والجامعات الخاصة نحو اختصاصات الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي، ما شكّل تحوّلاً جذرياً في اختيارات الطلاب اللبنانيين لتخصصاتهم الجامعية. هذا التحوّل جاء على حساب اختصاصات أخرى كانت تشكّل الوجهة التقليدية للمُتعلمين، مثل الحقوق والآداب والعلوم الإنسانية، إضافةً إلى العلوم الأساسية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والبيولوجيا، وحتى بعض فروع الهندسة وإدارة الأعمال.

ومع أن هذه الاختصاصات لا تزال تستقطب شريحة من الطلاب، إلّا أن الأرقام تشير إلى تراجع ملحوظ في نسب التسجيل فيها، في مقابل «الهجمة» على اختصاصات البرمجة، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والروبوتات، التي يرى فيها الطلاب بوابة ذهبية نحو مستقبل واعد، محلياً وخارجياً.

وفي ظلّ التغيرات الاقتصادية المتسارعة، يزداد اقتناع الطلاب بأن مستقبل الشركات في لبنان بات مرتبطاً بشكل وثيق بالأسواق الخارجية، والعمل عبر الإنترنت. ومع انحسار فرص العمل الكلاسيكية، يتجه هؤلاء نحو التخصصات الرقمية التي تفتح أمامهم أبواب المنافسة العالمية، وتمنحهم القدرة على مواكبة متطلبات سوق العمل العابر للحدود.
هكذا، تتحول الجامعات إلى منصات لتأهيل كوادر قادرة على قيادة الاقتصاد الرقمي، فيما يترسّخ لدى الطلاب وعي متنامٍ بأن التكنولوجيا لم تعد ترفاً أو خياراً، بل ضرورة وجودية لمستقبلهم المهني.

لا مؤشرات رقمية رسمية تثبت حجم هذا التحول في كل الجامعات، لكن المعطيات المتوافرة لدى الإدارات الجامعية تشير إلى أن كليات الآداب والهندسة والحقوق وإدارة الأعمال لم تعد الوجهة الأولى للطلاب اللبنانيين كما كانت الحال لعقود خلت، إذ تتقدّم اختصاصات علوم الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي بخطوات ثابتة نحو صدارة الخيارات الطالبية.

«الجامعة اللبنانية»

في الجامعة الوطنية، ارتفعت أعداد الطلاب المسجلين في اختصاصات الكومبيوتر في جميع فروع كلية العلوم من 2630 طالباً في عام 2022 إلى 5012 طالباً في عام 2026، أي بنسبة تجاوزت 90%. يعني ذلك أن العدد تضاعف نحو مرتين في خمس سنوات.

بعض أساتذة الجامعة يتخوفون من أن يكون هذا الاندفاع غير صحي، على اعتبار أن التركّز المفرط في مجال واحد قد يؤدي إلى إهمال اختصاصات أخرى لا تقل أهمية في بناء مجتمع متوازن. ويقول أحد الأساتذة إن «الهجمة باتجاه مسار واحد أمر خاطئ، لأن التنوع الأكاديمي هو الضمانة الأساسية لأي نهضة علمية أو اجتماعية».
في المقابل، يعرب آخرون عن اعتقادهم بأن هذا التحول يعكس وعي الطلاب بمتطلبات العصر الرقمي، وأنه ليس نزعة عابرة، بل اتجاه مستمر تدعمه سوق العمل العالمية.

 

وفي هذا السياق، يرى الأستاذ في الماستر في كلية العلوم، زين إبراهيم، أن «الطلاب مأخوذون بالذكاء الاصطناعي، وفي المدى المنظور، أعتبر أن هذا الأمر صحي، لأنه يعكس وعيهم بمتطلبات العصر وفرص المستقبل»، مشيراً إلى أن «الجامعة واكبت هذا التحول عبر إعادة النظر ببعض برامجها وفتح دبلومات وماسترات جديدة».
لكن التحدي الأكبر يبقى في قدرة الجامعة على تأمين الموارد اللازمة، إذ تضيق القاعات بالطلاب وتزداد الحاجة إلى تجهيزات حديثة وكادر أكاديمي متخصص.

بدورها، عدّلت الجامعات الخاصة بنيتها الأكاديمية لتتماشى مع الإقبال الكبير على اختصاصات المستقبل. كما عززت شراكاتها مع شركات تكنولوجية عالمية لتوفير تدريب عملي وفرص انخراط في مشاريع بحثية متقدمة. وبعض الجامعات أنشأت حاضنات أعمال ومختبرات ابتكار، لتشجيع الطلاب على تحويل أفكارهم إلى تطبيقات ومنتجات قابلة للتسويق، ما يفتح أمامهم أبواب المنافسة في الأسواق الخارجية.

«الجامعة اللبنانية الأميركية» (LAU)

«الجامعة اللبنانية الأميركية» مثلاً أنشأت مركزاً صناعياً يساعد الطلاب على تطوير المهارات اللازمة لإطلاق شركاتهم الخاصة ومشاريعهم الناشئة. كذلك، أسست مركزاً للابتكار هو عبارة عن حاضنة أعمال تدعم الشركات المبتكرة من داخلها. من جهتها، أطلقت كلية الهندسة، أخيراً، حاضنة LaunchX المتخصصة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهو برنامج قائم على المقررات الدراسية يزوّد الطلاب بالأدوات والإرشاد والموارد اللازمة لتطوير وتنفيذ أفكارهم الريادية. ويوفّر هذا البرنامج فرصة لجميع الطلاب من مختلف الاختصاصات لبناء شركاتهم الناشئة في مجال التكنولوجيا، باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويهدف إلى تمكينهم من توليد الأفكار، وتحديد نموذج أعمالهم، وتطوير شركاتهم الناشئة من خلال التعلّم العملي وورش العمل والأنشطة التفاعلية.

إضافة إلى البرامج والدورات التدريبية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والمُدرجة في برامج الهندسة والعلوم وإدارة الأعمال المتخصصة، يُركّز مركز التعلّم الابتكاري في الجامعة، وفقاً لإدارتها، على استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة التعليم والتعلّم. وتتمثل مهمة المركز في دعم أعضاء هيئة التدريس في إدخال ودمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات التربوية في أدواتهم اليومية وفي مناهجهم الدراسية، مع توفير إرشادات للاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي. كما يجري إدخال مناهج دراسية جديدة باستمرار لتتماشى مع المجالات الناشئة بما في ذلك برامج الماجستير الجديدة في الذكاء الاصطناعي التطبيقي، وعلوم البيانات، وتحليل البيانات، وبرنامج شهادة الدراسات العليا الجديد القابل للتراكم في أساسيات الذكاء الاصطناعي التطبيقي، وبرامج التخصصات الفرعية الهندسية الجديدة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات.

«جامعة سيدة اللويزة»

«جامعة سيدة اللويزة»، وفقاً لنائب رئيسها للشؤون الأكاديمية، ميشال حايك، تتابع أعداد الطلاب المسجلين واختياراتهم للتخصصات، وتتعاون مع شركاء دوليين لتبادل المعلومات ودراسة التوجهات العالمية. وعبر هذه المتابعة، لاحظت الجامعة، وفقاً لحايك، أن التخصصات التقليدية المرتبطة بالبناء مثل الهندسة المدنية والعمارة تراجع التسجيل في بعض برامجها أكثر من 50% في خمس سنوات.

في المقابل، أثّرت ثورة الذكاء الاصطناعي بشكل واضح على اختيارات الطلاب، فالتخصصات المرتبطة مباشرة بهذا المجال مثل علوم الكومبيوتر والهندسة المعلوماتية شهدت إقبالاً كبيراً. كذلك لفت حايك إلى أنّ تخصصات مثل الإعلان والتسويق والتصميم الغرافيكي باتت تتطور إيجابياً لأنها تستفيد من الذكاء الاصطناعي، في حين أن هناك تراجعاً في الإقبال على تخصصات مثل الترجمة والمحاسبة التي بات يُنظر إليها على أنها مهددة بالذكاء الاصطناعي.

ووفقاً لحايك، تسعى الجامعة إلى إطلاق برامج جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكن الإجراءات الرسمية في وزارة التربية والتعليم العالي بطيئة، لجهة الحصول على الترخيص. لذا، تلجأ الجامعة إلى «اعتماد حل مؤقت، وهو تحديث محتوى البرامج الحالية لتلبية احتياجات السوق، عبر فتح مسارات تعليمية قصيرة غير مرتبطة بدرجة علمية (التعليم المستمر) لمواكبة الاتجاهات العالمية مثل الشهادات المصغّرة (Micro-credentials)».

«جامعة الروح القدس – الكسليك»

في «جامعة الروح القدس – الكسليك»، برزت كلٌّ من علوم الكومبيوتر وهندسة الكومبيوتر كأسرع البرامج نمواً، إذ سجّلا أعلى الزيادات في أعداد المسجّلين وأسهما في النمو الإجمالي. وأشار نائب الرئيس المشارك للشؤون الأكاديمية، بسكال دميان، إلى أن أعداد الطلاب في هندسة الكومبيوتر تضاعفت ثلاث مرات بين عامي 2020 و2023، واستمر هذا الاتجاه التصاعدي بشكل مستقر حتى عام 2026.
أمّا اختصاص علوم الكومبيوتر، فشهد ارتفاعاً كبيراً في أعداد المسجّلين في عام 2023 (بزيادة تجاوزت 300%)، تلاه انخفاض طفيف. إلّا أن أعداد المُسجّلين الحالية لا تزال مرتفعة جداً ضمن البرنامج.

ويعزو دميان هذا الأداء إلى تحديثات منهجية مدروسة ركّزت على إدماج مجالات متقدمة، أبرزها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتقنيات الناشئة، إلى جانب استحداث مسارات تخصصية تتماشى مع حاجات القطاعات الإنتاجية وسوق العمل. وقد ترافقت هذه الخطوات، كما قال، مع حملات ترويجية وتواصلية موجّهة أسهمت في تعزيز حضور هذه البرامج وترسيخ موقعها التنافسي، فضلاً عن الرؤية المؤسسية المتكاملة التي تقوم على الابتكار الأكاديمي، وتبنّي التقنيات المتقدمة، والتقييم المستمر للبرامج التعليمية.

«الجامعة اللبنانية الدولية»

منذ جائحة «كورونا» التي فرضت واقعاً رقمياً جديداً، رصدت «الجامعة اللبنانية الدولية» ازدياداً ملحوظاً في أعداد الطلاب الملتحقين بقسم علوم الكومبيوتر (Computer Science)، وتكنولوجيا المعلومات (IT)، وهندسة الكومبيوتر. وبناءً على دراساتها الدورية لتوجهات السوق، سعت الجامعة إلى تحديث مناهجها، وهي في طور استحداث مسارات تخصصية تواكب هذا التحول الرقمي المتسارع، لضمان تزويد الطلاب بالمهارات التقنية اللازمة.