Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر February 11, 2026
A A A
إسرائيل تسعى لتكريس معادلة أن لبنان بات ساحة مفتوحة عسكرياً واستخباراتياً
الكاتب: حسين زلغوط - اللواء

لم تكن عملية اختطاف عطوي عطوي القيادي في الجماعة الإسلامية من داخل بلدة الهبارية في الجنوب وقبله اختطاف الملازم المتقاعد أحمد شكر من زحلة مجرد حدث أمني عابر، بل شكّلت صدمة سياسية وأمنية مزدوجة، أعادت فتح ملف السيادة اللبنانية على مصراعيه، وطرحت أسئلة قاسية حول واقع الجنوب، وحدود القدرة الفعلية للدولة، ودور ما يُعرف بـ«الميكانيزم» المفترض أن تضبط الإيقاع الأمني بعد الحرب. فالعملية التي نفذتها قوة «كوماندوس» إسرائيلية داخل عمق الأراضي اللبنانية، وعلى مسافة لا تتجاوز سبعة كيلومترات عن الحدود، حملت دلالات تتجاوز الشخص المستهدف، لتطال البنية الأمنية والسياسية بكاملها.

 

أول ما تكشفه العملية هو أن إسرائيل لم تعد تكتفي بسياسة الردع من الخارج أو الضربات الجوية، بل انتقلت إلى نمط أكثر جرأة، يقوم على التوغل البري المحدود والدقيق، وتنفيذ عمليات نوعية داخل قرى مأهولة، ثم الانسحاب من دون أي احتكاك فعلي. هذا السلوك لا يمكن فصله عن مرحلة ما بعد الحرب، حيث تسعى تل أبيب إلى تكريس معادلة جديدة عنوانها أن الجنوب اللبناني بات ساحة مفتوحة استخباراتياً، وأن أي جهة تعتبرها تهديداً يمكن استهدافها في أي وقت ومكان.

 

الدلالة الثانية لا تقلّ خطورة، وهي أن الاستهداف لم يأتِ هذه المرة من بوابة حزب الله، بل طال قيادياً في الجماعة الإسلامية، ما يعني أن إسرائيل وسّعت لائحة الأهداف، ولم تعد تميّز بين فصيل وآخر، ويبدو أن تل أبيب أرادت توجيه رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل اللبناني، مفادها أن تعدد اللاعبين المسلحين لا يمنح أي طرف حصانة، والثانية إلى الإقليم، بأن مفهوم «وحدة الساحات» لن يمرّ من دون كلفة، وأن أي انخراطا مباشرا أو غير مباشر في المواجهة سيقابل بضربات استباقية.

 

لكن الرسالة الأخطر لم تكن موجهة إلى الجماعة الإسلامية وحدها، بل إلى الدولة اللبنانية نفسها. فتنفيذ عملية بهذا المستوى من الدقّة داخل بلدة خاضعة نظرياً لسلطة الدولة، يفضح حجم الفراغ الأمني، ويؤكد أن الجنوب، رغم كل الحديث عن الترتيبات والآليات، لا يزال مكشوفاً، وهنا يبرز السؤال المحوري: أين كانت «الميكانيزم»؟ وأي قيمة لها إذا كانت قوة معادية قادرة على الدخول، تنفيذ المهمة، والخروج من دون أن ترصد أو تُردع؟

الحديث عن «الميكانيزم»، التي يفترض أنها تشكّل إطاراً لضبط الخروقات ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، يبدو اليوم أقرب إلى مفهوم نظري منه إلى أداة فعّالة، فالعملية أظهرت أن «الميكانيزم» ومعها قوات «اليونيفيل» إما عاجزين عن الرصد المسبق، أو مقيّدين إلى حد الشلل، أو غير معنيين أساساً بمثل هذا النوع من العمليات. وفي الحالات الثلاث، النتيجة واحدة: سقوط عملي لمنظومة الردع اللبنانية، أو ما تبقّى منها.

 

سياسياً، تضع العملية الحكومة اللبنانية أمام اختبار صعب. فالبيانات المندّدة، مهما عَلتْ نبرتها، لا تبدو كافية لإخفاء حقيقة أن السيادة منقوصة، وأن القرار الأمني في الجنوب لا يزال موزعاً بين عجز الدولة والعدوان الإسرائيلي. كما أن الصمت الدولي، أو الاكتفاء بالدعوات إلى ضبط النفس، يعزز الانطباع بأن لبنان تُرك لمصيره، وأن خرق أراضيه بات جزءاً من واقع إقليمي جديد.

في المقابل، لا يمكن عزل العملية عن الحسابات الإسرائيلية الداخلية. فإظهار القدرة على العمل داخل لبنان يخدم صورة الردع، ويعوض عن إخفاقات سابقة، ويوجه رسالة إلى الجمهور الإسرائيلي بأن الجيش لا يزال ممسكاً بزمام المبادرة، كما أن اختيار هدف من خارج حزب الله قد يكون محاولة لتفادي رد واسع، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من التأثير السياسي والأمني.

 

أما على المستوى اللبناني الداخلي، فإن العملية تعمّق الانقسام حول مفهوم المقاومة ودورها، فاستهداف قيادي في الجماعة الإسلامية يفتح نقاشاً حسّاساً حول حدود الانخراط، ومن يدفع الثمن، ومن يملك قرار الحرب والسلم. كما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الجنوب يتجه نحو تعدد ساحات الاشتباك، بما يزيد من هشاشته ويجعله عرضة لمزيد من الاختراقات.

انطلاقا مما تقدّم فان اختطاف قيادي بالجماعة الإسلامية ليس مجرد عملية أمنية ناجحة من وجهة نظر إسرائيل، بل هو حدث كاشف لمرحلة جديدة وخطيرة. مرحلة يتراجع فيها منسوب الردع اللبناني، وتتآكل فيها فعالية «الميكانيزم»، فيما تتقدم إسرائيل خطوة إضافية نحو فرض قواعد اشتباك أحادية الجانب، وبين هذا وذاك، يبقى الجنوب اللبناني الحلقة الأضعف، يدفع ثمن غياب الدولة، وعجز السياسة عن ترجمة السيادة من شعار إلى واقع ملموس.