Beirut weather 15.77 ° C
تاريخ النشر February 11, 2026
A A A
طرابلس بين الإهمال المزمن وقرارات الإنقاذ السريعة..
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

يتكرر مشهد سقوط الأبنية المتهالكة في مدينة طرابلس كفصلٍ مأساويٍ مفتوح، لا تنقصه الدراما بقدر ما تنقصه المعالجة الجدية. فكل انهيار جديد لا يفضح فقط هشاشة الحجر، بل يكشف هشاشة السياسات العامة التي تعاقبت على المدينة لعقود، وعمق الإهمال المزمن الذي جعل أحياء بكاملها تعيش على حافة الكارثة.

 

ورغم محاولات بعض النواب والمسؤولين السابقين، لا سيما من العائلات السياسية العريقة في الفيحاء، تحميل المسؤولية للحكومة الحالية، فإن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة ثابتة: طرابلس لم تُهمَل منذ سنوات قليلة، بل منذ خمسينات القرن الماضي، حين تعاقب “حكام” المدينة على مواقع القرار في الدولة، من دون أن ينجحوا في وضع خطة إنمائية مستدامة، أو في حماية نسيجها العمراني والاجتماعي.

في هذا السياق، يكتسب الاجتماع الموسع الذي دعا إليه الرئيس نواف سلام في السراي الكبير، وضم فعاليات طرابلسية والوزارات والمؤسسات المعنية، أهمية سياسية وإنمائية خاصة. فهو، عمليًا، أعاد توجيه النقاش من بازار الاتهامات إلى منطق الحلول، وردّ “الصاع صاعين” لكل من اعتاد التنصل من المسؤولية ورميها على الحكومة الراهنة.

 

لكن أهمية هذا الاجتماع لا تكمن في رمزيته فقط، بل في ما إتخذه من قرارات عملية، سريعة وحاسمة، إدراكاً من رئيس الحكومة بأن الخطر الداهم الذي يهدد سكان الأبنية الآيلة للسقوط لا يحتمل ترف المماطلة أو انتظار الدراسات الطويلة. وأن المطلوب أولًا توفير مساعدات إيواء فورية للعائلات المتضررة، وتنفيذ عمليات إخلاء عاجلة للأبنية التي تشكل خطرًا مباشرًا على السلامة العامة، تحت إشراف الدولة وبالتنسيق مع البلديات والقوى الأمنية.

من هنا تبرز أهمية تكليف مجلس الإنماء والإعمار مباشرة بوضع خطة شاملة، تتضمن تصنيف الأبنية بين قابلة للترميم والآيلة اللهدم، وتأمين التمويل اللازم لدعم ترميم ما يمكن إنقاذه، حفاظًا على النسيج العمراني والاجتماعي للمدينة. أما العمارات المهددة بالسقوط والتي لا جدوى من ترميمها، فيجب هدمها وفق معايير هندسية واضحة، مع مراعاة حقوق السكان وتعويضهم.

 

ولكن لا يمكن فصل أزمة الأبنية عن أزمة البنى التحتية المهترئة. فإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء والطرقات في الأحياء المتضررة تشكل شرطًا أساسيًا لمنع تكرار الكارثة، حتى بعد إنجاز عمليات الدعم والترميم.

طرابلس اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات والمزايدات الشعبوية الفارغة، بل إلى قرارات شجاعة وسريعة تعوِّض الإهمال المزمن، وتعيد للدولة حضورها، وتحمي الناس من موتٍ مجانيٍّ تحت أنقاض الإهمال.