Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر February 9, 2026
A A A
جولة سلام الجنوبية الحدودية: متغيّرات في أداء الدولة… والمهم التنفيذ
الكاتب: غاصب المختار

 

كتب غاصب المختار في “اللواء”

أثبتت جولة رئيس الحكومة نواف سلام الجنوبية وعلى مدى يومين لتفقّد أوضاع القرى الحدودية المنكوبة، صحة ما جاء في «اللواء» قبل نحو أسبوع، بأنه ليس بحصر السلاح ولا بتلبية شروط ومطالب الخارج فقط، يحيا الإنسان اللبناني لا سيما الجنوبي، بل يحيا ويصمد ويعيش بكرامة في ظل احتضان الدولة وتوفير مقومات العيش الكريم والآمن له، وهو ما وعد به سلام الجنوبيين على أمل أن تسعفه الظروف السياسية المعقّدة المحلية والإقليمية والظروف المالية الصعبة، في إعادة الحياة الى قرى الحد الأمامي، حيث كان يقطن ويعيش عشرات آلاف المواطنين في قراهم، على مقولة «فلاح مكفي ملك مخفي».

جولة سلام الجنوبية مع وفد وزاري وخدماتي موسّع، أعادت للجنوبيين الأمل بإمكانية العودة الى قراهم المدمرة ولو بعد حين، وبأن الدولة لن تتركهم لمصيرهم الغامض تحت نار الاحتلال الإسرائيلي، وان استعادة السيادة وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها لا تكون فقط بترتيبات وإجراءات أمنية، بل تكون بوجود الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها الى جانب الجنوبيين على الأرض المشبعة بدماء الأهالي، وبمشاريع تنمية وخدمات شاملة طالما افتقدها الجنوبيون من بداية الاستقلال وحتى بداية التسعينيات عندما بدأ حضور الدولة الخجول عبر مجلس الجنوب وبعض المؤسسات الأخرى بتقديمات متواضعة لكنها مكّنت الجنوبيون من البقاء في قراهم.
أما وقد قررت الدولة أخيراً ان تكون في الجنوب وعند الحدود كما هي موجودة في بيروت وكسروان وجبيل والمتنين وعاليه والشوف، فهذا تغيير نوعي في أداء الدولة، على الصعيد السياسي أولاً لإنهاء مرحلة طويلة من ترك الجنوبيين لمصيرهم واستبدال الحضور الحزبي الذي كان يسدّ بعض النواقص، بحضور رسمي وازن وفاعل وشامل كل نواحي الحياة، وهي بذلك تلبّي مطلباً دولياً سياسياً ببسط لسطتها على كل أراضيها بديلاً لسلطات محلية تولّت مسؤولية تغطية غياب الدولة. وتلبّي جولة سلام أيضا المتغيّرات السياسية المحلية والإقليمية والدولية، التي يجري العمل فيها لتحويلها من منطقة نزاعات وحروب الى منطقة تسعى الى الاستقرار والهدوء والنهوض الاقتصادي.
والمتغيّر الثاني في أداء الدولة، تمثّل في ان جولة سلام على قرى الحدود هي الأولى ربما لمسؤول رسمي رفيع المستوى، بعدما لم تكن تتجاوز زيارات المسؤولين منطقة صور ومحيطها ولا تصل الى قرى الحدود، وهي بهذا المعنى زيارة تؤكد إصرار الدولة على تثبيت أقدامها على جزء منسي من أراضيها، كما هي حال بعض قرى عكار والبقاع النائية المنسية، والتي تتطلّع أيضاً الى حضور الدولة فيها لتشعر بإنتمائها الفعلي الى الوطن والدولة، بعدما كانت سوريا تاريخياً هي البديل عن خدمات الدولة وحضورها نظرا لتداخل الحدود ورخص الأسعار وتوافر امكانات التعليم والاستشفاء وتأمين مستلزمات العيش.

أما الجانب الأمني من حضور الدولة في الجنوب وبشكل خاص في قرى الحدود، فهو أمر لا خلاف حوله، بل بات مطلباً حزبيا وشعبياً عدا كونه مطلباً دولياً، ويكفي مشهد ترحيب أهالي الحدود بإنتشار الجيش كمصدر للأمان، كما كان مشهد الترحيب بالرئيس سلام كمصدر للإطمئنان بأن الدولة ستكون حاضرة من الآن وصاعداً، لكن على أمل أن تفي الدولة بتعهداتها التي أغدقها الرئيس سلام في جولته، وتباشر تنفيذ مشاريع ترميم المنازل المتضررة غير المهدّمة، والبنى التحتية وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات وترميم المستشفيات والمستوصفات والمدارس الرسمية ودعم الزراعة والمؤسسات الصناعية المحلية، وهي الشروط الأولية المطلوبة لطمأنة الجنوبي وحثّه على الثقة بالدولة وعلى التمسّك بأرضه أكثر، قبل بدء مرحلة إعادة الإعمار الشامل للقرى التي هدّمها العدوان، والتي تستغرق سنوات.
والأهم من ذلك وبالتوازي مع بدء تنفيذ المشاريع الضرورية المُلحّة، أن تتمكن الدولة من فرض التهدئة وإلزام الاحتلال الإسرائيلي بإتفاق وقف الأعمال العدائية، لتتمكّن من تثبيت عودتها بكل مؤسساتها إلى الجنوب ومن ضمان أمن الحدود وتوفير الاستقرار وفقاً للمطلب الدولي، الذي من المفترض أن يشمل أيضاً جانب قوات الاحتلال، وإذا لم تقم الدول المعنية بواجبها بالضغط على الكيان الإسرائيلي ستذهب كل مساعي الدولة لبسط سيطرتها في الجنوب أدراج الرياح وتتوقف عجلة المشاريع التي وعدت بتنفيذها، وتبقى المنطقة الجنوبية ساحة مفتوحة لعدوان العدو ويفشل أحد أهم بنود البرنامج الدولي لا سيما الأميركي في تحقيق بسط سلطة الدولة على كال أراضيها وتوفير الاستقرار المستدام المطلوب.
لكن الجواب أتى من سلام نفسه ردّاً على مواطن جنوبي أمس بقوله حسبما أظهر شريط فيديو: «ما حدا أعطاني ضمانات ولا أنا أقدر أن أعطي ضمانات؟ فردَّ المواطن: إذا مش قادرين تحمونا ليش عم تطالبوا بتسليم السلاح؟»، وفي شريط آخر ظهر الرئيس سلام وهو يقول عن بسط الدولة على كامل أراضيها ان الدولة ستؤمّن حماية مواطنيها، فردَّ النائب حسن فضل االله بالقول ومشيرا بأصبعه: دول الرئيس هنا الموقع الإسرائيلي! الى جانب أشرطة أخرى في محطات الزيارة تدلّ على مطلب الأهالي بتوفير الأمن… المطلوب إذاً أن توفر الدولة للجنوبي الخدمات بالتوازي مع الأمن والأمان.