Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر February 9, 2026
A A A
التفاوض للتفاوض أفضل من حرب نووية
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– يؤكد ما جرى على المسار التفاوضي بين أميركا وإيران منذ يوم الخميس الماضي أن إيران ربحت الجولة بامتياز لا يكفي لتفسيره الحديث عن ثبات إيران وشجاعة قيادتها، مع الجواب الذهبي الايراني على العرض الأميركي الذي حمله الوسطاء في التعبير عن التمسك بأن يضمّ جدول أعمال المفاوضات القضايا الأميركية الأربع المعلنة، الملف النووي والملف الصاروخي، والعلاقة بحركات المقاومة، وضمان حماية المعارضة الداخلية التي قادت المواجهات الأخيرة، والجواب الإيراني على معادلة كل شيء أو لا شيء صار ذهبياً بالقول بكل شجاعة فليكن لا شيء إذن، لأن هذا الجواب على أهمية إظهار الشجاعة الإيرانية يتضمن الاستعداد للذهاب إلى الحرب التي تبدو خياراً حتمياً لرفض التفاوض على كل شيء وتفضيل اللا شيء، يطرح السؤال الأهم، وهو سبب قبول واشنطن بالتفاوض بشروط إيران، والتراجع عن معادلة كل شيء أو لا شيء، لأن نصف القضية تفسرها شجاعة إيران، بينما نصفها الآخر في التراجع الأميركي.

– فضلت أميركا التفاوض على الملف النووي دون ضمانات بالتوصل إلى اتفاق مع تمسك إيران بحق تخصيب اليورانيوم، ودون ضمانات في حال التوصل إلى اتفاق نووي بإمكانية فتح باب التفاوض حول العناوين الباقية وخصوصاً البرنامج الصاروخي الإيراني الذي يسبب صداعاً وجودياً في تل أبيب، وهذا ينسجم طبعاً مع الكلام العقلاني في أوساط البنتاغون عن مخاطر كبيرة تنطوي عليها الحرب دون أي ضمانات لتحقيق الأهداف، سواء بدفع النظام الإسلامي للرضوخ للتفاوض بشروط مقبولة أميركية، أو إسقاط النظام كسقف أعلى للحرب، والمخاطر هنا تطال خسائر محققة قد لا تتحمّلها أميركا داخلياً من حيث سقوط جنود وضباط في هجمات إيرانية مؤكدة على القطع البحرية والقواعد الأميركية في المنطقة، ولن تتحملها قطعاً اقتصادياً وسياسياً بما يعنيه إغلاق مضيق هرمز لمدة غير قصيرة أمام الملاحة النفطية، ولكن القلق الأكبر هو ما سوف يحل بـ”إسرائيل” إذا ما رمت إيران بثقل قدرتها الصاروخية لجعل الدمار في “إسرائيل” بحجم إخراج الكيان من معادلة المنطقة، قبل أن تنجح الحملة الحربية الأميركية الإسرائيلية بإنزال إصابة وجودية بقدرة إيران العسكرية والاقتصادية.

– تقول قراءة عسكرية مقارنة بين الحشود الأميركية الحالية بوجه إيران، التي تتضمن حاملة طائرات واحدة وثلاث مدمّرات ضخمة، وحشود أميركية سابقة كتلك التي سبقت الحرب على العراق عام 2003، حيث ضمّت الحشود أربع حاملات طائرات و12 مدمّرة ثقيلة، والحشود التي أعقبت اغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020، والتي ضمت حاملتي طائرات وثماني مدمرات ثقيلة، أو تلك التي تم حشدها بعد طوفان الأقصى لترجمة تهديد الرئيس الأميركي بمنع توسع الحرب نهاية العام 2023 وضمّت حينها حاملتي طائرات وست قطع حربية ثقيلة، بينما بلغت الحشود في ذروة الصدام مع اليمن في نيسان 2025 ثلاث حاملات طائرات بين البحرين الأحمر والعربي والبحر المتوسط والمحيط الهندي هي الحاملات فينيسيون وهاري ترومان ودوايت أيزنهاور، وعشر قطع حربية ثقيلة، والتوقع الطبيعي في حال نية الحرب مع إيران أن نكون أمام مشهد لا حشود فيه تحسباً لاستهدافها أو حشود بحجم عدة أضعاف الحشد لحرب العراق أو حرب اليمن وليس أقل من نصف ما حشد في كل من هاتين الحربين، ما يعني أن الهدف من الحشود التي أرسلها البنتاغون هو منح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يكفي لفتح باب التفاوض من موقع القوة وليس شنّ الحرب.

– الزيارة السريعة والمفاجئة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى واشنطن بتقديم موعده مع الرئيس ترامب أسبوعاً، تعكس قلق الكيان من سرعة سير المسار التفاوضي نحو التوصل إلى حل لا يتضمن أي بند حول البرنامج الصاروخي، أو تثبيت جدول أعمال نهائي للتفاوض لا مكان فيه للبرنامج الصاروخي، ونتنياهو شرح للمبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف عشية المفاوضات، ما سوف يعيده على مسامع الرئيس ترامب، يعرف أن الجواب الأميركي هو أن الأمور بين خيارين، التفاوض حول الملف النووي حصراً أو الذهاب إلى الحرب، لأن الإصرار على إدراج البرنامج الصاروخي في جدول أعمال مفاوضات يعني نسفها والذهاب للحرب، والحسابات الأميركية والإسرائيلية للحرب واحدة، مخاطر كبيرة ولا ضمانات لتحقيق الأهداف، فماذا ذهب نتنياهو يقول، وماذا تملك واشنطن من جواب؟

– هناك فرضية بدأت تأخذ نصيباً في التداول، حول تصنيف “إسرائيل” لاتفاق نووي أميركي إيراني جديد كتهديد وجودي، ينطبق عليها الاستعداد لاستخدام السلاح النووي، فهل يحمل نتنياهو هذه الفرضية بوضع السلاح النووي ضمن معادلة الحرب المقترحة ضد إيران، بما يحمله ذلك من مخاطر إقليمية ودولية فوق قدرة أميركا و”إسرائيل” على تحمل تداعياتها؟ وهل تكون النتيجة بالتوافق على خيار التفاوض للتفاوض وحروب ناعمة وصغيرة تحت الطاولة على الأقل لما بعد الانتخابات في أميركا و”إسرائيل”؟