Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر February 7, 2026
A A A
وثائق إبستين… هل برّأت ترامب وأدانت الديمقراطية؟
الكاتب: د. جيرار ديب

كتب د. جيرار ديب في “اللواء”:

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تصريحات أدلى بها للصحفيين على متن طائرة «إير فورس وان» خلال رحلته من واشنطن إلى ولاية فلوريدا، السبت 31 كانون الثاني الماضي، إن الوثائق الجديدة لجيفري إبستين، «لا تدينه، بل تبرئه»، معتبراً أن ذلك عكس ما كان يأمله اليسار الراديكالي.
لطالما أثارت قضية إبستين قلقاً عند ترامب، ولا سيما إن هناك الكثير من الوثائق المصورة والمنشورة توضح علاقته المتينة بين الرجلين. فالقضية، لا شكّ، شكّلت مادة دسمة عند أعداء الترامبية لاستغلالها في فرملة اندفاعيته في السلطة، وفي تضييق فرص «التفلّت» و«الاستفراد» في قراراته تجاه القضايا الداخلية، كما حال مكافحة الهجرة، أو الخارجية بدءاً من جيران واشنطن، وصولاً إلى منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. لهذا، بات السؤال التي يطرح ذاته، هل أتت تسريبات الوثائق المرتبطة بجزيرة الشيطان، بمثابة «براءة ذمة» لترامب لتحرّره؟

يتصدّر اسم جيفري إبستين، الذي وجد ميتا في سجنه عام 2019، منذ يوم الجمعة 30 كانون الثاني الماضي، منصات التواصل الاجتماعي حول العالم، بعد إن أعلن، نائب وزير العدل الأميركي، تود بلانش، كشف وزارة العدل الأميركية عن ملفات جديدة بحقه، والتي تضمنت أكثر من 3 ملايين صفحة، وحوالي ألفي مقطع فيديو و180 ألف صورة إلى جانب تفاصيل ومعطيات غير مسبوقة.
أظهرت هذه الوثائق فظائع الأعمال الإجرامية المنافية للأخلاق، التي كانت تمارس في «ليتل سانت جيمس» جزيرة إبستين الخاصة، التي تقع جنوب شرق جزيرة سانت توماس. حيث شكّلت صدمة عند الرأي العام لا سيما من جهة تضمنها لجرائم قتل واستغلال جنسي ارتكبت بحق الأطفال، ضمن ممارسات شيطانية جلّ ما ترافقت مع طقوس قامت بها النخبة الغربية التي كُشف النقاب عنها، والتي هي اليوم في مراكز القرار السياسي كالرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، أو تكنولوجيا، كإيلون ماسك، ومن مختلف الميادين.
في عمق الأزمة الدبلوماسية بين كولومبيا والولايات المتحدة، أطلق الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، في هجوم غير مسبوق على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، في 3 كانون الثاني الماضي، تصريحات مثيرة تخطّت توصيف ترامب بالاستعماري الجديد، بل حملت تلميحات إلى إدارة ترامب سبقت تسريبات إبستين، محذّرةً أن بلاده تواجه خطراً داخلياً عميقاً، يتمثل في شبكات منظمة تسعى إلى تقويض النظام الديمقراطي، مستخدمة المال والنفوذ والاستغلال الجنسي.
ربط بيترو هذه الشبكات بما وصفه بدوائر نفوذ دولية، مذكّراً بفضائح الاستغلال الجنسي المرتبطة بإبستين في إشارة إلى تداخل المال والجنس والسياسية في تهديد الديمقراطيات. لكن الأبرز في ما صرّح به، هو هجومه المباشر على الديمقراطيات الغربية، التي تعمل دولها على فرضها بالقوة، داعياً إلى مقاومتها ورفضها لما تحمل من نماذج ابستيرية مريضة.
توقف الرأي العام عند المحتوى «المخيف» لتلك الوثائق، وبدأ يثير الشكوك حول مفهوم الديمقراطية الغربية، وأخذ المواقف منها، واعتبارها أنّها تدعو إلى انحلال الأخلاق وتفكيك الأسرة والمجتمع. هذا ما دفع بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى توجيه انتقاداته في أكثر من مرة معتبراً أن الليبرالية الغربية «استنفدت أغراضها» وأصبحت تتعارض مع مصالح أغلبية الناس، هذا ما يحفّز الدول إلى التكتل في مواجهة الديمقراطية الزائفة التي يبشرّ بها الغرب والتي أظهرت وثائق إبستين جزءاً منها.
فظاعة المحتوى التي حملتها الوثائق لا تقلّ أهمية عند التوقف حول المغذى من توقيت نشرها في هذه المرحلة المفصلية من العالم، الذي يشهد على توترات في أكثر من ساحة دولية تنذر بالدخول في حرب عالمية ثالثة، لا يبدو أنها تقلّ في الأهمية عن المحتوى. ورغم إعلان ترامب براءته منها، لكنّ هناك من استغل «دافعية» النشر للتوقف عند «سياسة إدارة الرأي العام» الداخلي والخارجي من خلال التركيز على إن الوثائق تحمل عنصراً قوياً لجذب الانتباه لأنها تمسّ النخب والسلطة والقضية الجنسية، أي تعتبر مادة إعلامية من الدرجة الأولى.
إن «تشتيت» الرأي العام الأميركي، يعتبر مطلباً ترامبياً أكثر من مُلحّ، خصوصاً بعد الانتقادات الواسعة لسياسته في مكافحة الهجرة ونشر منظومة إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، التي تلقى احتجاجات واسعة في داخل الولايات الأميركية. كذلك يعمل على «تشتيت» الرأي العام العالمي، من خلال ممارسة سياسات الترهيب في شأن القضايا الدولية، بهدف إعلاء شأن بلاده، وما سياسة فرض الرسوم الجمركية إلّا نموذجاً على ذلك.
يجد ترامب في التسريبات انتصاراً، على اعتبار أن من عمل على توقيت النشر، عمل أيضاً على إيجاد الفبركات في ما خصّ بعض الملفات. رغم أن تلك التسريبات عززت حضور سياساته الداخلية كما الخارجية، لكنّ هذا لا يعني براءة الرجل، إذ قد يكون هناك الملايين من الملفات التي لم تنشر بحقه بانتظار توقيت أخر. وهذا يعني وأيضا إدانة للديمقراطية الغربية وما تحمله من قيم باتت في موقع الشك، ما قد يسرّع من إحياء تكتلات دولية جديدة تدفع نحو عالم متعدد الأقطاب، فهل بدأت مرحلة إسقاط الديمقراطية الغربية لبناء ديمقراطيات مختلفة؟