Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر February 7, 2026
A A A
غراهام يشاغب.. وهيكل يُسقط رهاناته!
الكاتب: غسان ريفي - سفير الشمال

منذ أكثر من عامين، ولبنان يسمع الوعود ذاتها بعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، وعود تعطّلت مراراً تحت عناوين مختلفة، كان العامل الأميركي حاضراً فيها بقوة، سواء عبر الضغوط السياسية أو عبر ممارسة الابتزاز على عدد من الدول لمنعها من الحضور أو تقديم الدعم.

اليوم، ومع اقتراب موعد المؤتمر المرتقب في باريس في الخامس من آذار المقبل، تتجدد محاولات التعطيل، وهذه المرة بشكل أكثر فجاجة، يقودها التيار الأميركي الداعم لإسرائيل.

في هذا السياق، برزت محاولة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام في ممارسة الشغب على المؤتمر من خلال السؤال الاستفزازي الذي وجّهه إلى قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، والمتعلق بتصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية. سؤال لم يكن بريئاً ولا عفوياً، بل يندرج في إطار محاولة جرّ المؤسسة العسكرية إلى موقف سياسي يتناقض مع دورها الوطني الجامع.

 

الرد الذي قدّمه العماد هيكل جاء هادئاً وحازماً في آن، ومعبّراً عن موقف وطني واضح يرفض زجّ الجيش في صراعات داخلية أو تحويله إلى أداة في مشروع يستهدف السلم الأهلي ويخدم الأجندة الإسرائيلية. وهو موقف لم يرق للتيار الأميركي الذي يسعى إلى “تدجين” الجيش وتحويله إلى مجرد قوة أمنية مهمتها حماية الاحتلال الإسرائيلي.

 

ولم يكن موقف غراهام معزولاً عن سياق أوسع، سبق أن عبّر عنه المبعوث الأميركي توم باراك، عندما أعلن بوضوح أن الولايات المتحدة لن تسلّح الجيش اللبناني لمواجهة إسرائيل، بل لمواجهة حزب الله. تصريح يكشف نوايا هذا التيار في واشنطن، والساعي إلى دفع لبنان نحو فتنة داخلية تخدم العدو الإسرائيلي وتسهّل عليها تنفيذ مخططاتها، لا سيما ما يتعلق بالمناطق العازلة والضغوط الأمنية جنوباً.

لكن محاولة غراهام باءت بالفشل. فزيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة نجحت، ولم تُختصر، ولم تغيّر من مسار العلاقات القائمة. بل على العكس، خرج العماد هيكل من هذه المحطة مرفوع الرأس، بعدما وقف وقفة رجل دولة ورفض الإملاءات، وردّ على الاستفزاز بما يحفظ كرامة المؤسسة العسكرية وسيادة القرار الوطني.

 

والأهم، أن مسؤولين في الإدارة الأميركية نفسها سارعوا إلى التأكيد أن تصريحات غراهام تعبّر عن رأيه الشخصي ولا تمثل الموقف الرسمي، وأن الالتزام بدعم الجيش اللبناني ما زال قائماً ولم يطرأ عليه أي تغيير. ما حوّل “العاصفة” التي حاول غراهام افتعالها إلى مجرد زوبعة في فنجان.

 

ما جرى يعيد تسليط الضوء على الانقسام القائم داخل الولايات المتحدة بين تيارين واضحين: تيار متشدد يمثله غراهام وباراك ومورغان أورتاغوس ومن يدور في فلكهم، يرى في الظروف الحالية فرصة للانقضاض على المقاومة ودفع الجيش إلى مواجهة بيئته الداخلية، وتيار آخر أكثر واقعية وعقلانية، يدرك خطورة ممارسة الضغوط المفرطة على لبنان، ويحذر من انفجار الوضع وعدم قدرة أي طرف، بما في ذلك واشنطن نفسها، على ضبط تداعياته.

هذا التيار الثاني يدرك أن الحفاظ على الاستقرار في لبنان يمر عبر دعم الجيش كمؤسسة جامعة، واحترام خصوصيات الواقع اللبناني، وترك معالجة مسألة حصرية السلاح للدولة اللبنانية ضمن مسار داخلي هادئ، لا عبر الإملاءات والضغوط.

 

في واشنطن، أثبت العماد رودولف هيكل أنه قائد جيش يعرف حدود دوره، ويتمسك بثوابت المؤسسة العسكرية كصمام أمان للسلم الأهلي والوحدة الوطنية. وهذا تحديداً ما أزعج التيار الصهيوني في العاصمة الأميركية، الذي وجد نفسه خاسراً في جولة كان يظنها سهلة.

 

في موقفه الوطني أكد العماد هيكل أن الجيش اللبناني ليس ورقة على طاولة المساومات، بل ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني، وأن دعمه ليس مصلحة لبنانية فحسب، بل مصلحة إقليمية ودولية لكل من يريد لهذا البلد أن يبقى واقفاً على قدميه.