Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر February 7, 2026
A A A
استراتيجية إدارة ترامب: ربط النزاع
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

بنظر كثير من العرب، واللبنانيون منهم، يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب قيصر روما العصر الحديث، وهؤلاء لا يستطيعون سماع أي كلمة عن مأزق ترامب أو أزمات أميركية، أو عجز أميركي عن خوض الحروب، فهم تحت وطأة مخدر نوعي حديث اسمه الإبهار وتحت تأثير “أبستينية” ترامب التي تظهر في التنمر والصراخ والتهديد والتماهي مع مصاص الدماء، لكن الحال ليس كذلك في أميركا وربما في الغرب عموماً، وبالتأكيد في دول مثل روسيا والصين حيث يتم التعامل مع انفعالات وغضب ترامب بأعصاب باردة، وفق يقين أن أميركا ذاهبة إلى مكان يصعب عليها الوقوف من بعده.

منذ وصوله إلى البيت الأبيض لم ينه ترامب حرباً بدأها، بمعزل عن الحروب البهلوانية التي يتحدث عن دوره في إنهائها مطالباً باستحقاق جائزة نوبل عن كل واحدة منها، وهي حروب قديمة أعيد تحريك نيرانها تحت الرماد بتمويل عربي غالباً ثم جلب المتخاصمين إلى البيت الأبيض أو إعادة العمل بوقف إطلاق نار سابق، للقول إن ترامب أوقف الحرب، أما الحروب الحقيقية فلا تزال نيرانها تشتعل ويلف الغموض مستقبلها، وترسم الشكوك حول قدرة ترامب على إنهائها.

أولى هذه الحروب حرب أوكرانيا التي وعد ترامب بإنهائها بعد 24 ساعة على دخوله إلى البيت الأبيض، ومرت السنة الأولى من حكمه والحرب لم تنته، رغم انسحاب واشنطن كطرف مباشر في الحرب نحو صفة الوسيط، من دون أن يمنعه دور الوسيط من القيام مراراً بإرسال أسلحة أميركية نوعية إلى القوات الأوكرانية سواء بأموال أميركية أو بأموال أوروبية، كما أنه كل مرة كان يستشعر قرب اتخاذ موسكو لخطوات عسكرية نوعية كان يسارع إلى التفاوض على رأس الرئيس الأوكراني وإن اقتضى الأمر على تقاسم أوروبا كسوق للنفط والغاز، وإذا اقتضى الأمر أكثر كمناطق نفوذ، وبكل الأحوال يخرس المنبهرون بقوة ترامب وعظمته عن تقديم تفسير معقول لسبب انتقال ترامب من موقع الراعي للحرب إلى موقع الوسيط وهو رغم أكاذيبه بأنها حرب بايدن، يعلم أن نسختها الأولى بدأت عام 2014 عندما استولى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على شبه جزيرة القرم وأعلن ضمها إلى روسيا، وعندما جاء ترامب إلى الحكم عام 2017 شارك بوصف ذلك بالعدوان وكرس العقوبات التي اتخذها باراك أوباما ومعه دول الغرب وهو يطالب أوكرانيا اليوم بالتنازل ليس عن القرم فقط بل عن كل شرق أوكرانيا، فهل هذا رجل الحروب الناجحة، أم بلغة مبسطة هرب ترامب!

بعد دخول البيت الأبيض على إيقاع وقف إطلاق النار الذي طلبه لغزة، رعى ترامب وبارك انقلاب شريكه بنيامين نتنياهو على الاتفاق والعودة للحرب متعهداً بمعاقبة اليمن وتحييده عن إرباك خطط نتنياهو في غزة، واعداً بفتح أبواب الجحيم على اليمن، وشن لهذه الغاية 1000 غارة على مواقع ومدن في اليمن خلال شهر واحد، فماذا كانت النتيجة؟ جاءت النتيجة بطلب ترامب وساطة عمان لترتيب التفاوض مع اليمن توصلاً لوقف إطلاق نار تنسحب بموجبه الأساطيل الأميركية من البحر الأحمر وتتخلّى عن مهمتها بفتح البحر الأحمر أمام السفن المتوجهة إلى موانئ كيان الاحتلال، ويستمر اليمن بإسناده لغزة بما في ذلك التحكم بالملاحة في البحر الأحمر، وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو عمق الكيان، وبتعبير مبسط هرب ترامب!

مع إيران كانت خطة ترامب ونتنياهو للحرب قد أُعدّت بعناية لاستثمار ما تمّ تحضيره في أميركا و”إسرائيل” لضرب إيران خلال سنوات، وبعد الضربات الإسرائيلية الأولى سارع ترامب للقول هذه حربي أنا وليست مجرد حرب تم إخطاري بها، وعندما بدا أن “إسرائيل” تختنق وتعجز عن إنهاء الحرب وتتلقى الأمطار الصاروخية المؤلمة تصل إلى أهدافها وتخترق الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية معاً، تدخل ترامب بقصف مجمع فوردو ليفعل ما يجيده دائماً، ضربة يتحدّث عنها كنموذج للإبهار وينسحب من مواصلة الحرب ويسحب معه نتنياهو، وهما يدركان أن أياً من الأهداف لم يتحقق، فلا تم تدمير قدرات إيران النووية وإلا لماذا يفاوضها مجدداً ويهددها بالحرب مجدداً، ولا تم إسقاط النظام ولا تم استسلامه، والدليل أن هذا النظام المفترض أنه سقط أو استسلم هو الذي يفاوض ويهدّد برد الصاع صاعين في أي حرب، وعندما ردت إيران على ضربة فورو بضربة العديد ماذا فعل ترامب، فعل ما يجيده دائماً، بالتعبير المبسّط، هرب ترامب!

خلال شهر مضى حشد ترامب آلة حربه إلى جوار إيران، يتحدّث عن مهلة للاستسلام قبل أن تشن حرب لم تعرف البشرية مثلها، ثم في أول مرة أثناء الاحتجاجات التي عرفتها إيران، قال صباحاً إن على المحتجين الاستيلاء على المؤسسات والمدد قادم قريباً، ثم مساء قال إنه صرف النظر عن الحرب لأن إيران أوقفت إعدام 800 كانت تنوي إعدامهم شنقاً، ورغم أن من سمعه لم يتمالك نفسه عن الضحك، بقي المنبهرون بإبستينية ترامب يصدقون، لكن ما جرى قبل أيام قليلة عندما بدا أن التفاوض مهدّد بالانهيار، أرسل ترامب لإيران رسالة من جملة واحدة تقول، إما كل شيء أو لا شيء، والقصد أما التفاوض على البنود الأربعة كلها، النووي والصواريخ والحلفاء والمعارضة، أو لا تفاوض على النوويّ وحده، وجاءه الرد الإيراني، إذن لا شيء، وحبست الناس أنفاسها، وإذ يكتشف ترامب كذبة جديدة اسمها منح الدبلوماسية فرصة، والوقوف عند رأي حلفائه في المنطقة، وهو الذي مرّغ الدبلوماسية بالدم ومرّغ أنوف حلفائه بالعار خلال حرب غزة، لكن الذي فعله ترامب هو الذي يجيد فعله، ببساطة مرة أخرى هرب ترامب!

لأن أميركا دولة عظمى، عندما يهرب الرئيس لا تخسر ولا تهزم بل يسمونه ربط نزاع، ويقال إن استراتيجية الرئيس هي ربط النزاع!