Beirut weather 21.32 ° C
تاريخ النشر February 6, 2026
A A A
هل يُباد الجنوب اللبناني بيئياً …رش مبيدات من اجل منطقة عازلة… أم أرض منزوعة الحياة؟
الكاتب: بشرى سعد - موقع المرده

 

 

 

 

ما يُسجَّل اليوم على طول الحدود الجنوبية للبنان، من رشّ مبيدات كيماوية بواسطة الطائرات المسيّرة والمقاتلات الإسرائيلية، يطرح تساؤلات خطيرة تتجاوز البعد العسكري لتلامس مفهوم الحرب البيئية بكل ما تحمله من تداعيات على الأرض والإنسان والاقتصاد.

الحديث عن منطقة عازلة ليس جديداً في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية، لكن المستجدّ هو محاولة تحويل هذه المنطقة إلى شريط ميت، لا يُراد له أن يكون منزوع السلاح أو السكان فحسب، بل منزوع القدرة على الحياة. فالمبيدات التي تُرشّ، وفق تقارير ميدانية، لا تقتل النباتات فقط؛ بل تضرب خصوبة التربة، وتلوّث المياه الجوفية، وتقضي على مواسم زراعية كاملة.

إنه استهداف يتجاوز الأشجار ليصيب الاقتصاد الريفي في عمقه، ويهدد مصدر رزق آلاف العائلات التي تعتمد على الأرض للبقاء. كما أنه يضع عراقيل إضافية أمام عودة الأهالي إلى قراهم، وكأن المطلوب أن يصبح الجنوب بلا بشر، بلا حجر، وبلا ذاكرة زراعية متجذّرة في التاريخ.

الأخطر أن المعطيات تشير إلى أن نسب المواد المستخدمة تتجاوز المعدلات الطبيعية للمبيدات العشبية بنحو 30 إلى 50 ضعفًا، حسبما اعلن وزير الزراعة ما يرفع مستوى الخطر على الإنسان والحيوان معاً، ما دفع الى توجيه إرشادات للمزارعين بتجنّب تجمعات المياه وإبعاد المواشي، في مشهد يختصر حجم التهديد الصحي والبيئي.

ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس تقنيًا بل استراتيجي: هل الهدف مجرد إجراء أمني، أم محاولة لتغيير طبيعة الشريط الحدودي تدريجيًا؟

التجارب التاريخية تُظهر أن السيطرة على الأرض لا تتم دائمًا عبر الاحتلال المباشر؛ أحيانًا يكفي جعلها غير قابلة للحياة حتى تُفرغ من سكانها تلقائيًا. وإذا صحّ هذا المنطق، فإن ما يجري قد يُقرأ كجزء من سياسة ضغط طويلة الأمد تهدف إلى خلق واقع جديد من دون إعلان حرب شاملة.

في قضايا بهذا الحجم، لا يكفي الاكتفاء بالمواقف الإعلامية أو البيانات الخجولة بل المطلوب تحرك دبلوماسي وقانوني عاجل، يبدأ بتوثيق الانتهاكات، ويمرّ برفع شكاوى أمام الهيئات الدولية، ولا ينتهي عند الضغط لتشكيل لجان تحقيق بيئية مستقلة.

ان تحرك وزارتي الزراعة والبيئة السريع خطوة هامة لانه لا يمكن لأي دولة أن تبقى مكتوفة الأيدي إذا كان جزء من أراضيها يتعرض لما يشبه الإبادة البيئية؟ الا ان هذا التحرك لا يكفي وحده لان التغاضي عن الخطر اليوم قد يعني ترسيخه غدًا كأمر واقع.

من منظور القانون الدولي، يُعدّ الإضرار المتعمّد بالبيئة خلال النزاعات مسألة شديدة الحساسية، خصوصًا عندما تكون آثاره واسعة وطويلة الأمد. فالأرض الزراعية ليست مجرد ملكية خاصة؛ إنها عنصر من عناصر الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.

وعندما يُحرم المزارع من أرضه، لا يخسر موسماً واحداً فقط، بل قد يخسر قدرته على البقاء في قريته. وهنا يتحول الضرر البيئي إلى أزمة إنسانية مقنّعة، تدفع الناس نحو النزوح من دون إطلاق رصاصة واحدة.

ان الدفاع عن البيئة لم يعد ترفًا، بل جزء من مفهوم السيادة. وإذا كان البعض قد غضّ النظر سابقًا عن الاستهداف المتكرر عبر المسيّرات، فإن المسألة اليوم تتجاوز الضربات والاغتيالات إلى ما يشبه تغيير هوية المكان نفسه.

ما يحدث في الجنوب ليس تفصيلاً حدوديًا، بل اختبار لقدرة لبنان على حماية أراضيه وموارده وحق أبنائه في العيش فوق ترابهم. فالأوطان لا تُقاس فقط بمساحتها، بل بقدرتها على صون الحياة فيها.

وحين تُهدَّد الأرض بالتصحّر المتعمّد، يصبح الصمت أخطر من الاعتداء نفسه. لأن الحرب التي تقتل الشجر اليوم، قد تجد غدًا أرضًا خالية إلا من انتظار طويل… لوطنٍ لم يدافع عنه أحد.